دعونا نبدأ بحقيقة اقتصادية واضحة: الأرقام يمكن أن "تكذب". ليس لأنها خاطئة في ذاتها، بل لأنها قد تقيس أموراً مختلفة تماماً عمّا نعتقده.
فمن عام 2018 حتى عام 2024 أعلنت المملكة العربية السعودية أنها رفعت نسبة التوطين في الصناعات الدفاعية من 4٪ إلى 25٪. رقم مثير للإعجاب في فترة زمنية قصيرة، أليس كذلك؟ لكن إن سألت نفسك سؤالاً بسيطاً: هل يعني ذلك أن السعودية استطاعت أن تبني صناعة دفاعية حقيقية؟ ستجد أن الإجابة هي: لا. لقد بنت نسخة محسّنة من الفخ ذاته الذي وقعت فيه قبل أربعين عاماً تقريباً.
ما معنى هذا الكلام؟
سأوضح لك.
في الثمانينيات والتسعينيات، وضعت السعودية استراتيجية لتوطين الصناعات العسكرية عبر برامج "الأوفست" (Offset). ببساطة، كانت الحكومة تقول للشركات الأجنبية: إذا أردتم بيع السلاح لنا، فمرحّب بكم، لكن بشرط أن تستثمروا داخل المملكة، وتعملوا مع شركات محلية، وتنقلوا التكنولوجيا. من الناحية النظرية، كانت فكرة عبقرية، خصوصاً أن السعودية سوق ضخم ومهم لأي شركة دفاع في العالم، ومن أكبر مستوردي السلاح على مستوى العالم. غير أنّ واقع التنفيذ كشف عن خلل كبير.
ولماذا يُعدّ الأمر كارثياً؟
لأن الشركات الأجنبية لم تكن تنقل تكنولوجيا حقيقية. كانت تقوم فقط بإرضاء الجانب السعودي بنقل جزء بسيط من العمليات التشغيلية، مثل التجميع والصيانة والتدريب، بينما بقيت الملكية الفكرية، والتصميم، والبحث والتطوير، وكل ما يجعل الصناعة حقيقية — خارج حدود السعودية.
إذا نظرنا إلى مشروع "Peace Shield" مع شركة "بوينغ"، سنجد أنه فشل. وكذلك الأمر مع مشروع "اليمامة" بالتعاون مع "BAE Systems"؛ فكلٌّ من الأمريكيين والبريطانيين لم يُنشئوا في السعودية صناعة وطنية حقيقية.
وهنا يبرز السؤال المهم: لماذا لم تتعلم الحكومة السعودية الدرس؟
الجواب بسيط: لأن الحكومة كانت تقيس النجاح بمقاييس خاطئة. فهي لم تكن تقيس وجود صناعة حقيقية أو مدى نقل التكنولوجيا، بل كانت تقيس حجم الاستثمارات، وعدد الوظائف التي أُنشئت، ونسبة "التصنيع المحلي" دون أن تتحقق من طبيعة ذلك التصنيع ونوعه بالضبط.
نصل الآن إلى ما قد يُزعج البعض رغم حقيقته: للأسف، "رؤية 2030" هي تكرار للقصة نفسها.
في عام 2017، أسست المملكة العربية السعودية شركة SAMI، وهي الشركة السعودية للصناعات العسكرية، بهدف توطين 50٪ من الإنفاق الدفاعي بحلول عام 2030. رقم جريء وخطة واضحة، لكن السؤال الأهم: هل تختلف الآلية هذه المرة عن التجارب السابقة التي انتهت بالفشل؟ الإجابة للأسف: لا.
عند النظر إلى شركة SAMI، سنجد أنها تحقق أرقاماً جيدة بالفعل؛ فقد دخلت نادي المئة الكبار ضمن قائمة أكبر شركات الدفاع في العالم. ففي عام 2018، كان عدد موظفيها لا يتجاوز 100 موظف فقط، بينما وصل في عام 2023 إلى 3600 موظف. كما عقدت الشركة شراكات مهمة مع شركات تركية مثل FNSS وNurol Makina وASELSAN وBaykar، وهي شراكات يمكن وصفها بأنها ذات قيمة كبيرة.
ولكن حين ننظر بعمق إلى الهيكل الإداري، والثقافة التنظيمية، وآلية نقل التكنولوجيا داخل الشركة، سنجد أنه لم يحدث تغيير يُذكر عمّا كان عليه الحال سابقاً.
عند التأمل أكثر في طبيعة الشركة، سنفهم المقصود بشكل أوضح. فـ SAMI مملوكة بنسبة 100٪ لصندوق الاستثمارات العامة (PIF)، ويرأس مجلس إدارتها الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع. خلال ثماني سنوات فقط، تغيّر منصب الرئيس التنفيذي ثلاث مرات: الأول كان ألمانياً من شركة Rheinmetall (أندرياس شڤير)، والثاني أمريكياً من شركة Northrop Grumman (وليد أبو خالد)، أما الثالث والحالي فهو ثامر المهيد، الذي يأتي من خلفية في الصناعات العامة وليست الدفاعية.
يُضاف إلى ذلك مشكلة بنيوية عميقة بين SAMI وGAMI (الهيئة العامة للصناعات العسكرية). أي شخص تعامل مع السعودية في هذا القطاع سيدرك تماماً ما أعنيه، لكن باختصار: هناك هيئتان تقومان تقريباً بالدور نفسه، وتوجد بينهما منافسة. ورغم أن المنافسة قد تبدو أمراً إيجابياً من بعيد، فإنها في قطاع محدود الموارد – سواء البشرية أو التقنية – تتحول إلى عبء كبير.
وحين حاولت الجهات المعنية حل هذه الإشكالية، ظهرت مشكلة أخرى وهي البيروقراطية المزدوجة. فـ GAMI هي الجهة المنظمة، بينما SAMI هي الجهة المنفذة، وأي شركة خاصة تحاول دخول هذا القطاع تجد نفسها تمر في متاهة طويلة: تراخيص من GAMI، شراكات مفروضة مع SAMI، موافقات من جهات عسكرية، وتمويل من وزارة المالية.
كل جهة لها مسار إداري مختلف، وكل تأخير في هذه المسارات يقتل أي طموح نحو الابتكار.
كل هذه الأمور تثير علامات استفهام كبيرة حول حالة الاستقرار الإداري والتنظيمي في هذا القطاع، لتبدو الصورة وكأنها حالة من "جرّب ثم بدّل".
دعونا نقارن هذا الوضع بما يحدث في تركيا. يمكن أن نأخذ شركتي أسيلسان (ASELSAN) وبايكار (Baykar) كمثالين. فشركة بايكار تأسست كشركة عائلية عام 1975، وكذلك أسيلسان في العام نفسه. ولو نظرنا إلى الهيكل الإداري في كلتا الشركتين، لوجدناه شبه مستقر، وهذا الاستقرار الإداري يخلق الثقة ويمنح القدرة على التخطيط طويل الأمد.
وهذا لا يعني الدعوة لعدم تغيير القيادات مطلقاً، بل المقصود أن ما نراه في SAMI ليس مجرد تغيير في القيادة، بل هو تغيير في الفكر ذاته، في فلسفة الإدارة، وفي الخطط والرؤية. ويحتاج هذا الجانب إلى مزيد من التفصيل يمكن أن نتحدث عنه لاحقاً.
الفرق الثاني هو الحرية الإدارية. فتركيا – كما ذكرت في مقال سابق – خرجت بعد عام 2016 تدريجياً من نموذج كانت فيه المؤسسة العسكرية تدير كل شيء، إلى نموذج جديد تُشرف عليه قيادات مدنية تكنوقراطية في إدارة الصناعات الدفاعية. هذا التغيير غيّر كل شيء فعلياً، وقد أوضحت في السابق أسباب أهمية هذا التحول.
أما في السعودية حتى يومنا هذا، فما زالت هناك سيطرة شبه كاملة للمؤسسة العسكرية، ممثلة في الأمير خالد بن سلمان (وزير الدفاع)، على القرار والرؤية. ويجب ألا نخلط بين هذه النقطة والنقطة السابقة الخاصة بتغيير القيادات وما يصحبها من تغيّر في الرؤية وفلسفة الإدارة، فهما أمران مختلفان تماماً، ولا يتعارضان في الوقت نفسه.
نصل الآن إلى السؤال الجوهري: لماذا لا يُعَدّ ارتفاع نسبة التوطين من 4٪ إلى 25٪ مؤشراً حقيقياً على النجاح؟
دعني أبدأ بسؤال بسيط: هل مجرد رفع النسبة يعني أنك بنت صناعة حقيقية؟ الإجابة لا. لأن ليس كل توطين يُعَدّ صناعة.
تخيل مثلاً أن شركة SAMI تعاقدت مع شركة تركية لتصنيع قطعة صغيرة لطائرة مسيّرة، واشترطت أن يكون 30٪ من الإنتاج محلياً في السعودية. هل هذا جيد؟ أقول لك: لا، ليس جيداً.
المشكلة هنا أن ما حدث ليس بناء صناعة، بل بكل بساطة أن السعودية دفعت أموالاً لشركة أجنبية لتعمل داخلها. وبمجرد انتهاء العقد، تغلق الشركة أبوابها، وتأخذ التكنولوجيا معها وترحل. والأدهى أن الجزء الذي يُنقل فعلياً إلى داخل السعودية عادة لا يكون من جوهر التكنولوجيا الحقيقية، بينما يُحتفظ بالجزء الأهم خارجها.
ركز معي في هذه النقطة جيداً.
النسبة التي تحسبها الحكومة – سواء عبر GAMI أو SAMI – هي مقدار ما يذهب من الإنفاق العسكري إلى الشركات المحلية. لكن ما لا يتم قياسه هو مقدار المعرفة الذي يبقى داخل البلاد، أو حجم الابتكار المحلي الذي يحدث فعلاً، أو ما إذا كانت لدينا اليوم ملكية فكرية حقيقية باسم سعودي.
والفارق بين هذين المقياسين أكبر بكثير مما قد تتخيل.
انظر إلى التجربة التركية كمثال.
عندما رفعت تركيا صادراتها الدفاعية من مليار إلى 7.2 مليار دولار، كانت فعلاً تصدّر منتجات تركية خالصة. الطائرة المسيّرة TB2 مملوكة لشركة بايكار، الصاروخ أتماكا صناعة تركية بالكامل، والطائرة المقاتلة KAAN ناتجة عن تصميم تركي خالص.
أما السعودية، فعندما تقول إنها قامت بتوطين 25٪ من الإنفاق الدفاعي، فإن معظم هذه النسبة في الحقيقة تمثل مصانع تجميع أجنبية تعمل على الأراضي السعودية. خطوط إنتاج ألمانية أو تركية أو أمريكية، لكن القرار والابتكار والملكية الفكرية لا تزال خارج البلاد.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
بلغة الاقتصاد يمكن القول إن الحوافز الخاطئة تخلق سلوكاً خاطئاً.
فعندما يكون الحافز هو رفع نسبة التوطين، لا بناء التكنولوجيا، فإن النتيجة المنطقية أن يسعى الجميع لملء النسبة بأي طريقة ممكنة: تشغيل عدد أكبر من الموظفين في الشركات المحلية، حتى وإن كانت الكفاءة أقل أو التكلفة أعلى، أو التركيز على العمليات التشغيلية بدلاً من البحث والتطوير. في هذه الحالة، يصبح الهدف رقماً لا تنمية.
وإذا كانت الشركات المحلية حافزها فقط أن تدخل في مشاريع تجميع لأنها تُحسب "محلياً"، فلن يكون لديها أي دافع حقيقي للاستثمار في البحث أو تطوير الابتكار.
بعبارة بسيطة: المقياس الذي تضعه الحكومة هو ما يوجّه السلوك، والسلوك الحالي يتجه نحو تحقيق الأرقام لا نحو بناء الصناعة.
لكن المشكلة أعمق من ذلك.
قد تقول الآن: "حسناً، ما الحل؟ أم أنك تجيد فقط سرد المشكلات؟"
في الحقيقة، الحل موجود في السطور السابقة نفسها، ولكن بصورة معكوسة.
ينبغي تغيير طريقة القياس ذاتها، وفصل المجال العسكري عن المدني، ومنح SAMI صلاحيات فعلية في اتخاذ القرارات، مع إعادة هيكلة العلاقة بينها وبين GAMI ضمن أطر مؤسسية واضحة وفعالة، وإتاحة مساحة للمخاطرة المدروسة.
المملكة العربية السعودية تمتلك جميع المقومات التي مكّنت تركيا من النهوض في هذا القطاع، لكن الفرق الحاسم يكمن في وجود بيئة إدارية حكيمة مقابل بيئة إدارية مضطربة، وهذا ما يحدد مصير الصناعة.
الفرصة ما زالت قائمة، لكن التغيير يجب أن يأتي من الجوهر لا من الأرقام.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع