info@archon-defense.com
آركون

تأسيس الشركات الدفاعية الكبرى طريق خاطئ للمبتدئين

25 ديسمبر 2025
802 المشاهدات
6 دقيقة/دقائق للقراءة

كلمة السر في الصناعات الدفاعية ليست الشركات الكبيرة.. لكن ال SMEs (الشركات الصغيرة والمتوسطة)..

خلال فترة عملي في مجال الصناعات الدفاعية، كنت أتعامل مع شركات صغيرة، وأعتقد أن تلك كانت أهم تجربة جعلتني أفهم أسرار هذه الصناعة والجانب الذي لا يراه الكثيرون. كانت ورشة صغيرة فعلًا، أو مساحة لا تتجاوز ستين مترًا داخل حاضنة أعمال تقنية في إحدى الجامعات. فمثلًا، المنطقة التقنية التابعة للجامعة التي درست فيها، تضم ما يقارب أربعمائة شركة ناشئة تعمل في مجالات البحث والتطوير.

تجد لديهم طلابًا متدربين بهدف تقليل التكاليف، ويشكّل الفريق كاملًا من الشباب، لا يزيد عددهم عادة على خمسة أو عشرة أفراد. يتولّى كل فريق مهمة محددة في مكوّن معين داخل نظام كبير يُنتج في شركة كبرى. وتلك هي نقطة تميّزهم: يتخصّصون في قطاع ضيق جدًا يخدم الشركة التركية التي يعملون معها، وفي الوقت نفسه يصدرون نفس المكوّن إلى شركات أخرى خارج تركيا.

فكرة أن تنظر إلى دولة مثل تركيا وترى شركات كبرى مثل بايكار أو أسيلسان ثم تقول: "سأؤسس شركة كبيرة مثلها في مصر"، فكرة خاطئة تدل على عدم فهم لطبيعة الصناعة أو غياب الرؤية الكاملة لما يجعل هذه الدول ناجحة. فهذه الشركات الكبرى ليست كيانات قائمة في فراغ، بل تمثل قمة جبل جليدي، أسفله آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تصنع المستشعرات، والدوائر الدقيقة، والبرمجيات، والمواد المركبة، وأنظمة الاختبار.

الجزء الأكبر من التكنولوجيا والتصدير على مستوى العالم مصدره الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) التي لا تظهر أسماؤها في قوائم الشركات الكبرى في أي بلد، ولا تُذكر في الأخبار، لكنها في الواقع العمود الفقري للصناعة.

فإن ركّزت على بناء شركة عملاقة من الأعلى من دون تأسيس قاعدة من الشركات الصغيرة تحتها، فستنشئ كيانًا هشًّا يبدو كبيرًا على الورق، لكنه يعتمد على الخارج في كل ما هو جوهري وحساس. الطريق الصحيح يبدأ من القاعدة لا من القمة.

كما كتبت سابقًا عن الصناعات الدفاعية الإماراتية: صحيح أن الأرقام قوية جدًا، لكن لا يمكننا القول إنها تملك صناعة دفاعية حقيقية، ولهذا بالتحديد قلت إن أرقام الإمارات هشّة.

الشركات الكبرى المشهورة هي آخر حلقة في السلسلة، فالصناعات الدفاعية ليست مرحلة أولى، وإنما هي ببساطة قمة الهرم التكنولوجي، ولن تستطيع بناءها إذا كانت قاعدتك الاقتصادية والتعليمية والصناعية ضعيفة.
من يحلم بصواريخ وطائرات مسيّرة وأنظمة رادار متطورة من دون أن يبني الأساس الذي ترتكز عليه، كمن يريد بناء ناطحة سحاب على الرمال، ستنهار عند أول هبة ريح، هذا إن استطاع بناءها أصلاً.

الفكرة ببساطة أن الصناعات الدفاعية المتطورة، وخصوصاً تلك ذات القيمة التصديرية العالية، ليست مجرد مصانع للتجميع أو تراخيص تشغيل، لأنك في النهاية تصدّر تكنولوجيا، وبناء التكنولوجيا عملية تراكمية تحتاج إلى تعلم مستمر، وتدريب متخصص، وكفاءات عالية، واستثمار حقيقي في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تُنتج الابتكار والمكونات الدقيقة الداخلة في أي نظام دفاعي.

إذا لم تستطع أي دولة في العالم بناء صناعات دفاعية قوية من دون هذه القاعدة، فكيف لك أن نفعل ذلك؟
سنغافورة، مثلاً، تمتلك أكثر من ستين شركة دفاعية محلية غير شركة ST Engineering، تركز على مجالات دقيقة مثل أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة anti-drone systems من خلال شركات صغيرة ومتوسطة مثل Flare Dynamics. والحكومة هناك تفرض نقل التكنولوجيا على الشركات الأجنبية لبناء كفاءات محلية. كما تمتلك منظومة صناعية متكاملة قادرة على تصدير المنتجات مزدوجة الاستخدام dual-use products عالمياً.

أما الهند، فقد بلغت صادراتها الدفاعية 2.76 مليار دولار، وتضم أكثر من ستة عشر ألف شركة صغيرة تصنع الإلكترونيات. برامج Make in India تربط هذه الشركات الصغيرة بالشركات الكبرى. ولا تزال لديهم تحديات تتعلق بالجودة وإدارة دورة حياة المنتج product life cycle management، ولكن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه هو أن الاستثمار في الشركات الصغيرة ضاعف الصادرات، وليس بناء شركة كبرى واحدة والاعتماد عليها منفردة لدخول مجال الصناعات الدفاعية.

تركيا، التي كانت قبل عام 2004 تعتمد على الجيش والإنتاج المحدود، أصبحت اليوم تمتلك أكثر من 3500 شركة في القطاع الدفاعي. معظم هذه الشركات من فئة الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، وتعمل ضمن سلاسل التوريد العالمية، وهو ما جعل صادراتها الدفاعية في عام 2025 تتجاوز 7.45 مليارات دولار خلال أول أحد عشر شهراً فقط. كما أصبحت خمس شركات تركية ضمن قائمة أقوى مئة شركة دفاعية في العالم، غير أن تحليل الصادرات يُظهر أن الجزء الأكبر منها يأتي من شركات ليست كبيرة أو معروفة.

وكالة الصناعات الدفاعية (SSB) تدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال قروض ميسّرة؛ ففي العام الماضي وحده، ساعدت الوكالة 25 شركة بمبلغ 25 مليون دولار، بالإضافة إلى برامج تدريب وتكامل مع الشركات الكبرى مثل بايكار وأسيلسان. ونتيجة لذلك، أصبحت الشركات الصغيرة والمتوسطة تصنع إلكترونيات ورادارات ومكوّنات للطائرات المسيّرة التي تُصدَّر إلى 180 دولة.

وليس من قبيل المصادفة أن يصرّح خلوق غورجون، رئيس وكالة الصناعات الدفاعية التركية، بأن أحد أهدافهم الرئيسة هو دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل توريد عالمية ذات قيمة تصديرية عالية، لأن هذه الشركات هي ببساطة القاعدة الصلبة لأي صناعة دفاعية حقيقية.

أما كوريا الجنوبية، فتهدف إلى أن تصبح رابع أكبر مصدر للأسلحة بحلول عام 2030. ما الذي فعلته؟ قامت برفع ميزانية البحث والتطوير الدفاعي، وأطلقت برنامج Defense Startup Open Innovation Challenge الذي يمنح 60 مليون وون لكل شركة ناشئة، إلى جانب التدريب والشراكات مع كبريات الشركات مثل KAI وLIG Nex1. وبهذا، بدأت الشركات الصغيرة والمتوسطة الكورية تدخل معارض كبرى مثل LIMA 2025 في ماليزيا، عارضةً موصلات ألياف بصرية للصواريخ بأسعار أقل بنسبة 70٪ مع سرعة أكبر في التسليم.

النموذج الإسرائيلي قائم على الشركات الناشئة (Startups) والشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) الصغيرة والمرنة. ففي عام 2025، بلغ عدد الشركات الناشئة في القطاع الدفاعي 312 شركة، بزيادة قدرها 95٪ خلال عام واحد، وقد حصلت على مليارات الدولارات من الاستثمارات لأفكار مشروعاتها.

وزارة الدفاع الإسرائيلية خصصت 10٪ من ميزانية البحث والتطوير لدعم الشركات الناشئة، لا الشركات الكبرى، كما أن برامج مثل iDEX تتيح لهذه الشركات الصغيرة دخول السوق بسرعة. ولهذا السبب، أصبحت شركات مثل UVISION تبيع الطائرات الانتحارية بدون طيار إلى حلف الناتو بمئات الملايين، بينما تعمل الشركات الصغيرة والمتوسطة مع شركة راينميتال الألمانية. كل ذلك يقوم على منظومة تعليم وتدريب قادرة على تحويل الأفكار إلى منتجات تصديرية خلال أشهر، لا سنوات.

تؤكد كل هذه الدول حقيقة اقتصادية واحدة: لا توجد دولة ضعيفة في التعليم والتدريب ولا تمتلك شركات صغيرة ومتوسطة تمكنت من بناء صناعة دفاعية متطورة ذات قدرة تصديرية.
تركيا استثمرت في 2400 شركة و100 ألف موظف مدرَّب.
إسرائيل حوّلت الحرب إلى منصة للإبداع عبر 300 شركة ناشئة.
كوريا وسنغافورة بنتا منظومات صناعية متكاملة (ecosystems) قائمة على التدريب والحوافز.

العامل المشترك بينهم جميعاً هو التركيز على الشركات الصغيرة والمتوسطة.

والآن خذ هذه اللمسة الأخيرة: إذا قلت إنك ستركّز على الشركات الصغيرة والمتوسطة، فسأخبرك أنك لن تستطيع القيام بذلك دون منظومة تعليمية قوية تشجّع على الابتكار، وتُخرّج طلاباً يفهمون النظريات العلمية والتطبيقات الصناعية معاً.

فالتعليم هو الذي يخلق الشركات الصغيرة والمتوسطة نفسها.

ماذا يعني ذلك؟
يعني أنه عندما يكون لديك نظام تعليمي قوي يربط بين الهندسة والتصميم والبحث العلمي والتطبيق العملي، ستجد أن الشباب المتخرجين لا يذهبون فقط للبحث عن وظيفة والسلام، بل يؤسسون شركات صغيرة متخصصة للغاية؛ شركة تعمل في تصنيع المستشعرات، وأخرى تطور برمجيات التحكم، وثالثة تركز على المواد المركبة أو الذكاء الاصطناعي.

هذه الشركات الصغيرة هي المعامل الحقيقية للابتكار؛ فكل تجربة، وكل خطأ، وكل مشروع صغير يتحول مع الوقت إلى خبرة تراكمية، ومن خلالها يتكوّن لديك نظام بيئي صناعي متكامل (Ecosystem) قادر على المنافسة عالميًا.

فمن دون تعليم حقيقي لا توجد مهارات، وبدون المهارات لا توجد شركات صغيرة، وبدون الشركات الصغيرة لا يمكن بناء صناعة دفاعية متطورة من الأساس.

السلسلة كلها مترابطة:
تعليم يمنحك مهارات،
المهارات تخلق شركات صغيرة ومتوسطة (SMEs)،
هذه الشركات تنتج تكنولوجيا،
والتكنولوجيا تفتح باب التصدير،
وفي النهاية تنشأ شركات عملاقة تصنع منتجات ذات قيمة تصديرية عالية.

أظن أن هذه إجابة كافية على السؤال:
ماذا يفعل التعليم في وطن ضائع؟

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع