info@archon-defense.com
آركون

الجيش المصري 2025.. مشكلة الإنفاق.. والاستراتيجية المصرية للردع

28 ديسمبر 2025
852 المشاهدات
8 دقيقة/دقائق للقراءة

هذه أول مقالة من سلسلة مقالات مستخلصة من تقرير Military Balance 2025.. نحلل كل ما هو موجود في التقرير، ونجمِّع المعلومات معًا، لعل أن نصل إلى صورة مفيدة في فهم الواقع والمشاكل الموجودة.

كل المعلومات القادمة في المقال، أو في المقالات التي ستأتي بعده، هي من مصادر موثوقة مع تحليلات شخصية تحتمل الصواب والخطأ، ولا أكتب تحليلًا لنقد مصر أو الجيش المصري. ستجد في التحليل نقاط إيجابية ونقاط سلبية أو مشاكل موجودة. أحرص على أن أكون موضوعيًا إلى أقصى مدى ممكن.
بقراءة سريعة في التقرير عن مصر، نجد أن مشكلة مصر هي مشكلة تباعد استراتيجي كلاسيكي. الدولة تتصرف كطرف يوفر الأمن الإقليمي للخارج، في حين أن قدرتها على تمويل جيشها تتبدد. إذا نظرنا إلى القيمة الحقيقية لميزانية الدفاع، نجد أنها انخفضت بنسبة 13.9٪ في سنة 2023، وبعدها انخفضت مرة أخرى بنسبة 17٪ في سنة 2024.
هذا يعني أننا كنا ننفق على الدفاع 5.4 مليار دولار في سنة 2022، وأصبحنا ننفق نصفه تقريبًا، 2.79 مليار دولار في سنة 2024.
ما معنى هذا الكلام؟

إما أننا نخفي جزءًا أكبر من الميزانية كل عام ــ وهذا استنتاج على الأرجح خاطئ، وسأوضح لك السبب بعد قليل ــ أو أننا بالفعل ننفق أقل على الدفاع، وهذا هو الاستنتاج الأقرب إلى الصواب بناءً على المعلومات المتاحة.
مصادر انخفاض الإنفاق الدفاعي ترجع إلى سببين رئيسيين: خسارة عائدات قناة السويس خلال الفترة التي نتحدث عنها، وانخفاض عائدات السياحة. وهاتان هما المصدران الرئيسيان الرسميان اللذان نعتمد عليهما في تمويل الإنفاق الدفاعي.

أما مشروعات الجيش المدنية، فأين تذهب عائداتها؟ تذهب في نسبة الـ50٪ من ميزانية الدولة التي قال وزير المالية السابق إنه لا يعرف عنها شيئًا، ولا أحد يعرف عنها شيئًا.

هذا يعني، وفقًا لما ورد في التقرير، أن مصر في أدنى مستويات الاستعداد المالي لخوض حرب، وأن أي حرب مفاجئة ستكون تكلفتها عالية على مصر، وستكون حربًا غير متكافئة منذ لحظتها الأولى.

ويقول التقرير إن مصر، بدلًا من أن تركز على مشكلتها المالية الدفاعية، ترسل إشارات ردع في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي، وقبل ذلك في اليمن. ثم يوضح التقرير أن هذا ليس تناقضًا، بل هو خيار من القاهرة نفسها، إذ تستخدم النشاط العسكري كوسيلة ضغط جيوسياسي لمنع تهميش دورها الاستراتيجي، حتى في الوقت الذي تكون فيه موارد الدولة وإنفاقها الدفاعي في حالة اختناق.

الفجوة بين الضغط المالي والتحركات العسكرية تمثل خطورة كبيرة على دولة بحجم مصر، لأن مصر دولة تحافظ على تعبئة شبه كاملة بميزانية تبلغ نحو 25 دولارًا للفرد سنويًا، بعدما كانت التكلفة 48 دولارًا للفرد في عام 2022.

هذه الجزئية تحتاج إلى بعض التوضيح.
في مصر يوجد 438 ألف جندي في القوات المسلحة، و479 ألف جندي في قوات الاحتياط، و397 ألف في وزارة الداخلية، منهم 325 ألفًا في قوات الأمن المركزي. وهذا نموذج يعتمد على القوة البشرية، لا على التكنولوجيا عالية القيمة. أي أن هذا العدد الضخم يمثل تكلفة تستهلك من قدرة الدولة على الإنفاق الدفاعي في مجالات المشتريات أو تطوير التكنولوجيا الدفاعية.

تعتمد مصر على عنصرين أساسيين في التمويل:
العنصر الأول هو السيولة الخارجية، وهي محدودة وغير مستدامة، وتشمل ما يأتي من الإمارات وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي.
أما العنصر الثاني فهو المعونة الأمريكية البالغة 1.3 مليار دولار. وقد جرى تقليصها لاحقًا، لكننا نتحدث هنا عن الفترة التي يشير إليها التقرير، إذ كان هذا هو الرقم المعتمد.

وهذا يعني أن نحو 32٪ من إجمالي القوة الشرائية المتاحة لمصر تأتي من المعونة. بمعنى آخر، فإن مستوى الاستعداد العسكري، ووتيرة التحديث، والتحركات العسكرية ليست مرتبطة بسيادة مصرية خالصة (نصّ التقرير نفسه يشير إلى ذلك صراحة).

هذا الضغط المالي يخلق مخاطر تشغيلية تؤثر في المعدات العسكرية المصرية.
فمصر تمتلك حاليًا نحو 2430 دبابة قتالية رئيسية، من بينها:

  • 1130 دبابة من طراز M1A1 Abrams

  • 850 دبابة من طراز M60A3

  • 300 دبابة من طراز M60A1

  • 150 دبابة من طراز T-62

كما تمتلك أكثر من 4200 ناقلة جنود مدرعة، وحوالي 1000 مركبة دورية مدرعة.
أما القوات البحرية فقد تم تحديثها بـ8 غواصات و16 فرقاطة وحاملتي طائرات من طراز Mistral.
وفي القوات الجوية هناك 340 طائرة قتالية مدعومة بطائرات نقل ثقيلة (21 طائرة من طراز C-130H و21 طائرة من طراز C295M) إضافة إلى حوالي 174 طائرة تدريب.

كل ذلك يخلق ما يسمى بـ الردع الكمي أو الحجمي. غير أن المشكلة في هذا النوع من الردع تكمن في الاستدامة، إذ إن منظومة التسليح في مصر مزيج من الأسلحة الروسية القديمة والأوروبية الحديثة، وهذا يضاعف الجهد المطلوب لتأمين سلاسل قطع الغيار، ويزيد من مشاكل توافق الذخائر ومتطلبات التدريب ذاته.

مع انخفاض الإنفاق الدفاعي، لا تنهار المنصات الرئيسية، بل تتأثر المعدات والصيانة على مستوى المستودعات، والأهم من ذلك المعدات المساندة التي تجعل المنظومات المتطورة تعمل بكفاءة. وهذا تحديدًا هو ما تعتمد عليه القوات المسلحة المصرية بدرجة كبيرة.

يمتلك الجيش المصري 8 وحدات من طراز E-2C Hawkeye و4 وحدات من طراز RE-3A SIGINT، بالإضافة إلى طائرات Beech 1900 ISR/ELINT ومتغيراتها، وطائرات أخرى مجهزة بتقنية ELINT. وهذا ما يشير إليه التقرير حين يقول إن “مصر يمكن أن تبدو قوية من حيث عدد المخزونات، بينما تعاني في الوقت نفسه من ديناميكية قوة جوفاء متزايدة في الخلفية”.

تتمتع مصر بتنوع كبير في منظومة تسليحها، وهذا التنويع لا يزال مستمرًا. وقد كتبت سابقًا مقالًا حول هذا الموضوع تحدثنا فيه عن إيجابيات هذا التنويع، إلا أن هناك سلبية خطيرة تتطلب إدارة معقدة، تُعرف في أدبيات الدفاع باسم حق النقض للموردين.

قصة K9 Thunder توضّح خطورة هذه النقطة. فقد توقف برنامج تحديث المدفعية المصرية لمدة عامين كاملين بسبب حظر محركات الديزل الألمانية، ولم يُستأنف إلا منتصف عام 2024 عندما اتجهت مصر لاستخدام محركات STX الكورية الجنوبية. ولم تكن تلك مشكلة شراء لمرة واحدة، بل عملية شراء مستمرة، ما يعني أن أي منظومة دفاعية متعددة الموردين تكون حساسة جدًا لأي قرار سياسي أو تنظيمي في دولة واحدة ضمن سلسلة التوريد. لذا، فإن التنويع ليس دائمًا ضمانًا للاستقلالية، بل قد يزيد من درجة الهشاشة إذا لم تكن هناك إدارة احترافية لسلاسل الإمداد وتوطين تدريجي لأجزاء أساسية من المنظومات الدفاعية.

وإذا نظرنا إلى القوات البحرية المصرية، نجد أنها تمتلك صواريخ وأنظمة فرعية مصدرها الولايات المتحدة (Harpoon، SM-1، RAM)، وفرنسا وإيطاليا (Exocet، Aster 15، VL MICA)، وروسيا (Moskit)، وألمانيا (أنظمة MEKO/Type-209)، وغيرها. وهذا يعني أن أي قيود أو تحولات دبلوماسية قد تؤدي إلى تعطيل قدرات البحرية المصرية حتى في أوقات السلم.

انتهجت مصر سياسة تطورت كردّ فعل لهذه المشكلة، وهي الإنتاج بترخيص حيثما أمكن. ويمكننا أن نرى ذلك بوضوح في إطلاق حوض بناء السفن في الإسكندرية لهياكل MEKO A200 المصنعة محليًا في ديسمبر 2023، واستبدال المكوّنات لتجاوز الحظر كما حدث في الحل البديل لمحرك K9، وإضافة موردين جدد مثل الطائرات المسيرة التركية والزوارق السريعة التركية لاعتراض الأهداف.

لكن لهذه الحلول تكلفة باهظة، إذ إن كل حل من هذه الحلول يزيد من مشكلة عدم التجانس في المعدات ومنظومات التسليح المصرية. فكل مورد جديد يمثل عبئًا جديدًا على المنظومة بأكملها — عبئًا ماديًا وتشغيليًا وإداريًا. وبالتالي، تجد مصر نفسها بين مشكلتين متلازمتين: المرونة في مواجهة التعقيد، والاستدامة على المدى الطويل.

الخيط الذي يربط هذه الصورة معًا هو أن مصر تحاول تعويض ضعف التمويل والإنفاق الدفاعي من خلال هندسة المنظومة العسكرية نفسها، أي أنها بدلًا من زيادة عدد الأسلحة، تحاول رفع كفاءة الردع والاستقلالية مقابل كل دولار واحد يخرج من الميزانية.

ويظهر ذلك جليًا في نموذج قوات الدفاع الجوي كفرع مستقل تمامًا عن القوات الجوية، بعدد ضخم من الأفراد يبلغ نحو 80 ألف فرد خدمة عاملة و70 ألفًا في الاحتياط، موزعين على خمس مناطق دفاع جوي تغطي أنحاء الجمهورية كافة.

تعمل هذه المنظومة على إنشاء شبكة كثيفة للدفاع الجوي المنخفض، تضم أكثر من 136 نظام دفاع نقطي، إلى جانب 910 مدافع مضادة للطائرات، من بينها نحو 600 مدفع S-60. هذا فضلًا عن الأنظمة البعيدة المدى مثل S-300V4 التي تُستخدم لحماية المواقع الحيوية.

الفكرة هنا هي أنه حتى إذا انخفضت طلعات القوات الجوية لأي سبب كان — سواء بسبب التمويل، أو الصيانة، أو الضغط العملياتي — يظل هناك غطاء دفاعي قادر على الرصد والمشاهدة وفرض الردع.

وينطبق المنطق ذاته على التوسع في القدرات الفضائية؛ إذ أصبحت مصر تمتلك خمسة أقمار صناعية، من بينها قمر الاتصالات TIBA-1، بالإضافة إلى أقمار مخصصة للمراقبة والاستطلاع مثل EgyptSat-A وMirsat-2 وقمرين من فئة Horus. وبهذا تمتلك مصر حلقة معلومات وطنية متكاملة تمتد من المستشعر إلى المنفّذ — أي عملية مراقبة، ثم تحليل، ثم قيادة وسيطرة — من دون اعتماد كامل على مصادر استخباراتية خارجية. وهذا يتكامل مع قدرات الحرب الإلكترونية والاستطلاع الجوي التي تحدث عنها التقرير.

ومن هنا نفهم أنه عندما يكون الإنفاق الدفاعي المصري في حدود 0.73٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وتُمثّل مصر 1.3٪ فقط من إجمالي الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في وقت انخفض فيه الإنفاق الدفاعي للفرد إلى 25 دولارًا سنويًا بعد أن كان 48 دولارًا في عام 2022، فليس القرار العقلاني هو شراء المزيد من الأسلحة، بل ضمان أن تعمل المنظومات الموجودة بأقصى كفاءة ممكنة، وأن تكون قادرة على الرصد والتنسيق وفرض كلفة ردع حقيقية.

ورغم أهمية هذه الاستراتيجية، فإنها ليست بديلًا دائمًا للتمويل والإنفاق الدفاعي المباشر. فالبنية التحتية تحتاج إلى صيانة وتطوير مستمر. وإذا استمرت الصدمات المالية المرتبطة بالإنفاق العسكري، في الوقت الذي تتحمل فيه مصر أدوارًا إقليمية في ليبيا والسودان والقرن الإفريقي، فإن هذه المنظومة ستستمر في العمل، لكنها ستصبح أكثر هشاشة مع مرور الوقت.

فأي صدمة جديدة في الإيرادات أو في سلاسل الإمداد قد تهز هذا التوازن بشكل خطير، لأن ما يجري بناؤه في النهاية هو ردع ذكي من الناحية المعمارية، لكنه قائم على أساس مالي ضعيف.


مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع