لستُ هنا لأبرر فشلًا عسكريًا، فأنا أبعد الناس عن هذا الدور. أكتب هذا المقال وأنا أعصر على نفسي لمونة، كما نقول بالمصري، وأستهلك كل طاقتي النفسية والعقلية في منع رأيي في السلطة من أن يمسك القلم بدلًا مني.
سنحاول معًا قراءة حادث دمياط بموضوعية، وأعرف أنها مهمة شاقة على كل صاحب قضية ورأي سياسي. لكن وسط الضوضاء الحالية يحتاج المنطق إلى مساحة صغيرة يقف فيها، بين ضوضاء التعريص من طرف، والغضب من طرف آخر، والشماتة عند قلة آذتها السلطة في أهلها وحياتها، وسحبت من تحت أقدامها كل مساحة سياسية واجتماعية، فلم يبق لها غير أن تفرح بخدش في جدار سجّانها. هؤلاء أفهم جرحهم وإن لم أشاركهم.
أما أنا فلن أنصف السلطة لوجه السلطة، سأنصف الوقائع لوجه الحقيقة. لأن من يترك غضبه يتحكم في قلمه، فهو يهدي السلطة خدمة مجانية، يمنحها ثغرة ترد منها، ويريحها من النوع الوحيد من النقد الذي تخافه فعلًا، النقد المبني على وقائع لا يقدر أحد على ردها.
فالغضب ممنوع، والشعارات لا تسمن ولا تغني من تقصير، أما الواقعة الموثقة فلا يجب أن نتركها دون تحليل ودراسة موضوعية، للمستقبل الذي نتشاركه جميعاً، حتى وإن اختلفنا.
في يوليو 2024، تتبع سلاح الجو الإسرائيلي، صاحب أكثف طبقات دفاع جوي في العالم، على شاشاته مسيرة حوثية قادمة من اليمن لمدة ست دقائق كاملة ثم تركها تنفجر في قلب تل أبيب.
لم يكن العطل في الرادار، الرادار رأى الهدف. العطل وقع في التصنيف، المشغلون على هذه المنظومة كانوا منشغلين بمسيرة أخرى قادمة من العراق، فمرت التي تراها الشاشة على أنها جسم لا يمثل تهديد. وبعدها بثلاثة أشهر قتلت مسيرة لحزب الله أربعة جنود وجرحت نحو ستين في قاعدة تدريب قرب بنيامينا، دون أن تنطلق صافرة إنذار واحدة.
قبل أن تجيب بنفسك عن سؤال دمياط، تعال نتفق على تشبيه. الدفاع الجوي هو شبكة صياد، وعيون الشبكة مجهزة لحجم السمك الذي تم تصنيعها من أجله، القاذفة، والمقاتلة، والصاروخ الباليستي.
المشكلة ليست في الشبكة نفسها، لكن في البحر الذي نرمي فيه هذه الشباك. تغير البحر، وامتلأ بسردين صغير بطيء يطير على ارتفاع أمتار. حين يعبر السردين من عيون الشبكة، يصبح السؤال الصحيح ليس عن الشبكة (منظومة الدفاع الجوي)، لكن عمن لاحظ أن البحر نفسه تغير، وبأي سرعة أعاد حياكة شبكته؟
هذا مقال تقني بالأساس، وسؤاله محدد، ما الذي تثبته مسيرة واحدة وصلت إلى هدفها في ميناء دمياط، وما الذي لا تثبته؟ ومتى يصح الحكم بالفشل على شبكة دفاع جوي في زمن صار فيه العبور حدثًا عادياً يصيب الجميع؟
يمكنك الذهاب في جولة سريعة في دفاتر السنوات الأخيرة، مثلاً، في يناير 2024 قُتل ثلاثة جنود أمريكيين وجُرح 47 في قاعدة البرج 22 في الأردن، لأن المسيرة المهاجمة دخلت خلف مسيرة أمريكية عائدة إلى القاعدة في التوقيت نفسه، فاختلط التصنيف وتأخر الرد.
وقبلها في سبتمبر 2019 عطلت مسيرات وصواريخ مجنحة رخيصة نصف الإنتاج النفطي السعودي في أبقيق وخريص، والمملكة يومها من أكبر خمسة منفقين عسكريين في العالم وتملك بطاريات باتريوت مصفوفة أساسًا لصد تهديدات من اتجاه آخر وارتفاع آخر.
وفي سبتمبر 2025 دخلت نحو عشرين مسيرة روسية أجواء بولندا لأكثر من سبع ساعات، فأطلق الناتو مقاتلات F-35 وF-16 هولندية وبولندية في أول اشتباك له منذ بداية الحرب، وأسقط أربعًا فقط، بينما ثمن المسيرة الواحدة من طراز جيربيرا، المصنوعة من الخشب الرقائقي والفوم، نحو عشرة آلاف دولار.
قال باحث معهد RUSI روبرت تولاست معلقًا على هذا الحدث: نجح الاعتراض، لكن حساب الكلفة لا يستقيم. سحقاً لهذه المعادلة المكررة في كل تحليل يتضمن كلمة "مسيرات".
لاحظ المشترك في هذه الوقائع كلها، جيوش غنية، ورادارات حديثة، وخبرة قتالية، ومع ذلك عبرت المسيرات.
فإذا كان معيار الفشل هو وصول مسيرة واحدة إلى هدفها، فقد رسبت أمريكا وإسرائيل والسعودية والناتو قبل مصر. وإذا كان هناك اختبار يرسب فيه الجميع دائمًا فهذا يعني أنه غير صالح ليكون معيار، إنه أقرب إلى سوء فهم لطبيعة الاختبار نفسه.
الدفاع الجوي سلسلة من أربع حلقات، اكتشاف، تصنيف، قرار، اشتباك. والمسيرة الصغيرة المنخفضة البطيئة تهاجم الحلقات الأربع معًا، بالفيزياء لا بالحيلة والدهاء.
في الاكتشاف، مقطعها الراداري أجزاء من المتر المربع، وبعض أجسامها من ألياف الكربون التي تمتص الموجات بدل أن تعكسها، والنسخ الكهربائية منها تطير بلا بصمة حرارية تذكر وبصوت يكاد لا يسمع. والأهم من هذا كله كروية الأرض نفسها (عذراً لبهاليل نظرية سطحية الأرض) الرادار الأرضي لا يرى تحت خط الأفق، فالهدف الذي يزحف على ارتفاع خمسين مترًا لا يظهر لأقوى رادار على هذا الكوكب الكروي، إلا حين يقترب عشرات الكيلومترات، أي قبل دقائق معدودة من الإصابة.
في التصنيف، سرعة المسيرة تقارب سرعة الطيور وحركتها تشبهها، فمرشحات الرادار التي صممت لتنظيف الشاشة من النوارس والغربان قد تنظفها من المسيرة أيضًا، ومشغل الشاشة أمام نقطة بطيئة غامضة يحتاج ثواني ثمينة ليقرر أنها ليست طائر.
في القرار والاشتباك، نافذة الرد فوق ميناء مزدحم قد لا تتجاوز دقيقة، وقرار إطلاق النار فوق ناقلة غاز مسال قرار مرعب في ذاته، فالحطام المشتعل الساقط على سطح الناقلة قد يصنع الكارثة التي تحركت لتمنعها. من قال إن الاعتراض فوق ميناء غاز حل منطقي أصلًا؟
ثم يأتي الاقتصاد ليكمل ما بدأته الفيزياء. أشعر بالإحراج وأنا اكتب هذه المعادلة للمرة الألف. صاروخ باتريوت بثلاثة إلى أربعة ملايين دولار، وصاروخ IRIS-T بنحو أربعمئة ألف، في مواجهة هدف بعشرة آلاف.
البحرية الأمريكية أطلقت في البحر الأحمر أكثر من مئتي صاروخ اعتراض بكلفة تناهز المليار لصد أهداف أرخص منها بعشرات المرات، ووصفت المعادلة رسميًا بأنها غير مستدامة. الدفاع الذي يخسر مليونًا كلما أنفق خصمه عشرة آلاف يكسب المعركة ويخسر الحرب.
هنا معلومة يغفلها أغلب المعلقين الذين قفزوا إلى أحكام الفشل الشامل، الدفاع الجوي المصري ليس عاريًا تقنيًا أمام هذا الصنف من التهديد.
تسلمت مصر من ألمانيا سبع بطاريات IRIS-T SLM ونحو أربعمئة صاروخ بحسب بيانات سيبري، من صفقة أُقرت عام 2021 لست عشرة بطارية، وظهرت علنًا في عرض أكتوبر 2024، ومعها رادارات TRML-4D الحديثة ورادار Twinvis السلبي الذي يكشف الأهداف دون أن يبث موجات.
حتى إن شركة ديل الألمانية أكدت في معرض إيديكس بالقاهرة، قبل الحادث بأشهر، تسليم مصر سلاح SkyWolf الكهرومغناطيسي المصمم خصيصًا لإحراق إلكترونيات أسراب المسيرات الصغيرة، مدمجًا مع بطاريات IRIS-T نفسها.
المشكلة في المسافة بين امتلاك القدرة وتموضعها، هذه المنظومات الحديثة معدودة، وبلد بحجم مصر فيه من الأهداف الحيوية ما لا تغطيه ست عشرة بطارية ولا حتى ستون، موانئ، ومحطات كهرباء، وحقول غاز، ومطارات، وقناة. والعقيدة (ليس لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بالاعتقاد والولاء) التي بُني عليها الدفاع الجوي المصري عبر عقود، منذ حائط الصواريخ في حرب الاستنزاف، عقيدة مواجهة سلاح جو معاد متفوق، طائرات وصواريخ تأتي من اتجاه معلوم بسرعات عالية وارتفاعات معقولة.
أما حماية ميناء تجاري مدني من مسيرة تزحف فوق سطح البحر فصنف مختلف من المخاطر، لم يُحسم بعد في أي جيش على وجه الأرض.
الأسئلة الصحيحة بعد دمياط تقنية ومحددة،
هل كان الميناء أصلًا داخل خريطة أولويات التغطية المضادة للمسيرات، أم كانت البطاريات الحديثة مخصصة لأهداف أخرى؟
هل رادارات الملاحة المدنية في الميناء مربوطة بشبكة الإنذار العسكرية أم يعمل كل نظام في مساحة مستقلة؟
ومن يملك صلاحية إطلاق النار فوق مرسى مدني مزدحم، وكم تستغرق سلسلة طلب الإذن؟
الإجابات على هذه الأسئلة هي التي تحدد موضع الخلل، لا شعارات الفشل والنجاح.
الخبر الجيد أن هذه التحديات، على صعوبتها، لم تعد بلا حلول. أمامنا مختبران كبيران اسمهما أوكرانيا وإسرائيل، وما خرج منهما يرسم خريطة طريق من أربع طبقات، وهي نفسها طبقات عمل الدفاع الجوي التي كتبت عنها في بداية المقال.
الطبقة الأولى استشعار رخيص شامل يسد ثقوب الرادار. بنت أوكرانيا شبكة سكاي فورترس الصوتية، آلاف الحساسات الصوتية البسيطة، كلفة الوحدة بين 400 وألف دولار، موزعة على البلد كله، تسمع أصوات المحركات وتمرر المسار لحظيًا إلى فرق النيران.
الشبكة كلها، بعشرات الآلاف من حساساتها، كلفت أقل من خمسة ملايين دولار، أي أقل من ثمن صاروخي باتريوت، حتى صار الجيش الأمريكي نفسه يدرس نسخها.
هذا النوع من الحلول صناعة ميكروفونات ولوحات إلكترونية وبرمجيات، أي بالضبط ما تستطيع الصناعة المصرية توطينه بسرعة وبتكلفة زهيدة، حول كل ميناء ومحطة وحقل.
الطبقة الثانية اعتراض متدرج الكلفة، يواجه قاعدة واحدة، لا تطلق مليونًا على عشرة آلاف. في القاع تجلس المدفعية الموجهة راداريًا، وقد أثبت مدفع جيبارد الألماني العتيق في أوكرانيا أنه أنجح قاتل مسيرات في الحرب كلها، إسقاط الشاهد يكلفه بين 300 وألف دولار من قذائف عيار 35 ملم.
وفوقها الحرب الإلكترونية والسلاح الكهرومغناطيسي، وهذا موجود عند مصر فعلًا كما رأينا، وطلقته شبه مجانية.
ثم المسيرات الاعتراضية، وهي أكبر قصة نجاح أوكرانية في 2025، نسب أحد قادة الجيش الأوكراني إليها إسقاط نحو 70% من مسيرات شاهد، بطائرات يقل ثمن بعضها عن ثمن هاتف محمول.
وفي القمة الليزر عالي الطاقة، أعلنت إسرائيل تشغيل الشعاع الحديدي ونشره على مستوى البلاد أواخر 2025، بطلقة تكلف ثمن الكهرباء التي تولدها، مع درس مصاحب واجب الحفظ، النظام يحتاج عددًا كبيرًا من البطاريات وطقسًا مواتيًا ليصنع فارقًا حقيقيًا، فالليزر طبقة ضمن طبقات لا بديلًا عنها.
الطبقة الثالثة دفاع سلبي لا يعترض شيئًا لكنه يفرغ الضربة من قيمتها، توزيع الأصول الحساسة بدل تموضعها كلها في مرسى واحد، وفصل مسافات الرسو، وتحصين ما يقبل التحصين، وأهداف خادعة تستهلك ذخيرة المهاجم، وخطط تشغيل بديلة تجعل إصابة أصل واحد حدثًا سهل الإمتصاص لا أزمة وطنية.
الطبقة الرابعة، وهي التي تفصل بين من يملك العتاد ومن يملك القدرة، الدمج والجانب البشري. درس تل أبيب أن الرادار قد يرى ويخطئ الإنسان التصنيف، ودرس البرج 22 أن الالتباس بين الصديق والعدو ليس سيناريو ضعيف الاحتمال، ودرس بنيامينا أن غياب الإنذار أخطر من غياب الاعتراض.
الحل غرفة قيادة واحدة تدمج الرادار العسكري ورادار الملاحة المدني والحساس الصوتي والكاميرا الحرارية في صورة واحدة، وخوارزميات تصنيف تختصر ثواني التردد البشري، وقواعد اشتباك مكتوبة سابقاً لكل منشأة تجيب عن سؤال من يضغط الزناد وفي أي ظرف قبل الليلة الحرجة لا أثناءها، وتدريب دوري على سيناريو الأسراب المتزامنة لا المسيرة اليتيمة.
من هذا كله يتضح الجواب المركب عن سؤال هذا المقال. عبور مسيرة واحدة إلى هدفها لا يدين الدفاع الجوي المصري بالفشل، فهذا امتحان يرسب فيه الجميع بانتظام، من تل أبيب إلى وارسو، والفيزياء والاقتصاد يقفان مع الراسبين.
لكن البراءة من تهمة العبور لا تعني البراءة من كل شيء.
المساءلة الحقيقية تبدأ الآن، وموضوعها ليس ليلة 29 يوليو، موضوعها الشهور الستة المقبلة.
هل يخرج تقرير فني يحدد أين انقطعت سلسلة الاكتشاف والتصنيف والقرار؟
هل تعاد خريطة التغطية بحيث تدخل الموانئ والبنية المدنية الحيوية ضمن مظلة مضادات المسيرات؟
هل نرى شبكة استشعار رخيصة تبنى محليًا، ومدفعية مضادة تعود إلى الأرصفة، وقواعد اشتباك جديدة فوق المنشآت الحساسة؟
السعودية بعد أبقيق أعادت هندسة دفاعاتها القريبة، وإسرائيل بعد كل اختراق فتحت تحقيقًا علنيًا وعدلت منظومتها وعقيدتها القتالية، وأوكرانيا حولت العجز عن شراء الباتريوت إلى أرخص شبكة إنذار في العالم وأنجح أسطول مسيرات اعتراضية.
هذا هو المعيار الذي سيُحاكم عليه الدفاع الجوي المصري، وهو معيار عادل لأنه المعيار نفسه في كل مكان، الدفاع الجوي الناجح في عصر المسيرات ليس الذي لا يخترق أبدًا، بل الذي يجعل كل اختراق جديد أغلى على صاحبه، وأصعب من سابقه، وأقصر عمرًا.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع