هل يمكن أن يكون الجيش الأكثر تقدماً تكنولوجياً هو الجيش الأسرع انهياراً؟
في عام 1983، كان نورمان أوجستين، الرئيس التنفيذي السابق لشركة "لوكهيد مارتن" (الشركة المصنّعة للمقاتلات الأمريكية الأشهر والأقوى)، جالساً في مكتبه، ممسكاً بتقارير الإنتاج والتطوير ومصاريف الشركة. وبعد قراءة وتحليل طويلين، وضع قانوناً ساخراً عُرف لاحقاً باسم "القانون السادس عشر لأوجستين".
ينص هذا القانون على أنه بحلول عام 2054 ستنفق الولايات المتحدة الأمريكية كامل ميزانية وزارة الدفاع لشراء أو تطوير مقاتلة واحدة فقط.
نحن ما زلنا على بُعد ثمانٍ وعشرين سنة من عام 2054، لكن الواقع يشير إلى أن تلك النبوءة تقترب، وربما بشكل أشدّ مما توقعه أوجستين في حينه.
أنا لست هنا الآن لأتحدث عن فساد الصفقات أو العمولات، فكل تلك القصص سطحية. لكنني سأصطحبك – إن جاز التعبير – في رحلة لفهم ظاهرة اقتصادية مرعبة لأي جيش يسعى لامتلاك أفضل أنواع التسليح.
هذه الظاهرة تُعرف باسم "Structural Disarmament" أو "نزع السلاح الهيكلي"، وهي عملية تجعل السعي المحموم نحو القمة التكنولوجية لتسليح الجيش سبباً مباشراً في انكماش قدراته الحقيقية. إلى درجة أن هناك جيوشاً ضخمة في الشكل، لكنها في جوهرها صغيرة وهشّة وغير قادرة على خوض حرب حقيقية طويلة الأمد.
المشكلة الجوهرية في اقتصاديات الدفاع الحديثة لا تتمثل في نقص الميزانية، بل في أن تكلفة الوحدة الواحدة من السلاح ترتفع بمعدل لوغاريتمي، في حين أن الميزانيات ترتفع بمعدل خطّي.
انظر، إن فهمت هذه الجملة بعمق وتفاصيلها، فأنت – حرفيّاً ومن دون مبالغة – تفهم أكثر من كثير من الموظفين والمسؤولين العسكريين العاملين في مواقع حسّاسة تتعلق بالصناعات الدفاعية، وهذه ليست مبالغة إطلاقاً.
إذا تأملنا تكلفة امتلاك السيطرة على السماء عبر أجيال المقاتلات الحربية، سنكتشف أننا لا نتقدم عسكرياً بقدر ما نتراجع عددياً بشكل مروّع.
ففي الحرب العالمية الثانية، كانت الطائرة الأسطورية P-51 Mustang تُكلّف صناعة الواحدة منها نحو 600 ألف دولار فقط، أي إن مبلغ مليار دولار في ذلك الوقت كان يمكنه شراء أكثر من 1600 طائرة — وكان ذلك بحق جيشاً ضخماً في حينه.
ثم ننتقل إلى ستينيات القرن الماضي لنتعرّف على المقاتلة F-4 Phantom، رمز الجيل الثالث، التي كانت تكلفتها تقدر بحوالي 20 مليون دولار للطائرة الواحدة، وبذلك صار المليار دولار بالكاد يكفي لشراء 20 طائرة فقط.
وإذا وصلنا إلى العصر الذهبي للغلاء، فسنجد أن المقاتلة الأمريكية الأشهر والأقوى F-35 Lightning II بلغت تكلفتها، بحسب الدُفعات، نحو 82.5 مليون دولار للطائرة الواحدة، أي إن المليار دولار لا يشتري سوى قرابة 12 طائرة.
انتظر قليلاً، لم نصل بعد إلى النهاية... فمع الجيل السادس من المقاتلات، وعلى رأسها الطائرة NGAD، وصلت التقديرات إلى نحو 300 مليون دولار للطائرة الواحدة! أي إن المليار دولار اليوم لا يوفّر سوى ثلاث طائرات فقط.
قد تقول لي: انتظر قليلاً، لقد حدث تضخّم كبير خلال تلك الفترة الزمنية. نعم، هذا صحيح، ولهذا السبب فإن جميع الأرقام التي نتحدث عنها هنا معدّلة أساساً وفق قيمة الدولار الحالية، أي إننا نقارن الماضي بالحاضر على أساس عملة واحدة وقيمة ثابتة.
وبذلك، فنحن نتحدث عن أن تكلفة السلاح الواحد ارتفعت بسرعة تفوق معدلات التضخم نفسها بكثير. وبعبارة أدق، فإن ميزانيات الدفاع تنمو بوتيرة طبيعية، بينما تكلفة الوحدة القتالية ترتفع بوتيرة أعلى بكثير. وهذا يعني أن عدد الطائرات والسفن والدبابات المتاحة في تناقص مستمر، حتى لدى الدول الغنية.
غير أن المشكلة لا تقتصر على تكلفة الشراء فحسب، بل إن الأخطر في الحقيقة هو أن الصناعات الدفاعية الحديثة تحوّلت من بيع سلاح إلى بيع التزام مالي دائم. فالمقاتلة أو السفينة لم تعد تُدفع قيمتها مرة واحدة فقط، بل أصبح لها اشتراك مالي ضخم يُدفع شهرياً طوال عمرها التشغيلي. وقد تناولتُ هذا الموضوع بالتفصيل في مقال «اقتصاديات الجاهزية».
أتدري لماذا هذا الكلام بالغ الأهمية؟
لأن الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعد ميزانيتها الدفاعية ضخمة بالمعنى الحرفي للكلمة، قررت في عام 2025 إيقاف برنامج المقاتلة NGAD مؤقتاً، لأن الحسابات الرياضية نفسها أصبحت عبثية، ولأن الاقتصاد يخبرهم بأن من الجنون إرسال مقاتلة تُقدّر تكلفتها بـ 300 مليون دولار إلى الحرب، مهما كانت مكاسب تلك الحرب.
في زمن الحرب الباردة، كان سلاح الجو الأمريكي يمتلك أكثر من ثمانية آلاف طائرة، أما اليوم، ورغم تضاعف الميزانية، فإن العدد الإجمالي للطائرات يبلغ نحو خمسة آلاف فقط، وجزء كبير منها ليس طائرات قتالية، بل طائرات تدريب ودعم وخدمات.
هذا يعني أن التكنولوجيا تتطور، لكن الكتلة القتالية نفسها تتقلص، وهو ما أعنيه تماماً: تكنولوجيا أعلى تعني عدداً أقل، وعدداً أقل يعني قدرة أضعف على الاستنزاف.
فكيف يمكن تغطية مسرح عمليات بحجم المحيط الهادئ بعدد من الطائرات يمكن عدّها على الأصابع؟ وكيف يمكن المجازفة بطائرة ثمنها 300 مليون دولار في معركة مفتوحة؟ إنك بذلك – حرفياً – تطير بميزانيتك في الهواء.
إذن، الدرس الجوهري هنا أن كل جيل تكنولوجي جديد يُقلّل حتماً عدد الطائرات المتاحة، وليس ذلك بسبب الفساد ولا سوء الإدارة، بل بسبب المعادلة الاقتصادية ذاتها.
أضِف إلى ذلك عامل الهشاشة اللوجستية، فجزء ضخم من مكوّنات السلاح الحديث – مثل أشباه الموصلات المتقدمة، والمواد المركّبة، وأنظمة الدفع – يُنتَج في مناطق محدودة جداً على مستوى العالم. وهذا يعني أن أي أزمة سياسية، أو حرب تجارية، أو حتى تعطل مصنع واحد قد يؤدي إلى توقّف برامج تسليح كاملة.
وهذا بدوره يعني أنه كلما ازداد سلاحك ذكاءً، ازداد تحوّله إلى مشروع تصنيعي معقد يصعب استمراره في أوقات الحرب. في المقابل، فإن السلاح الأبسط – حتى وإن لم يكن خارقاً – يبقى قابلاً للتطوير والإنتاج السريع. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا أصبحت الذخائر الرخيصة والطائرات المسيّرة اللاعب الأهم في الحروب الحديثة.
قد تمتلك جيشاً يبدو في مظهره قوياً للغاية، لكنه عددياً جيش صغير جداً. وقد قدّمت حرب أوكرانيا درساً واضحاً للجميع حول أهمية العدد والكثافة الإنتاجية في مواجهة الأسلحة النوعية.
في قلب هذه المشكلة يكمن فخّ يُعرف باسم "الخمس في المائة الأخيرة".
ففي الهندسة العسكرية، يُعَدّ الوصول إلى 95% من الأداء القتالي أمراً يمكن تحقيقه بتكلفة معقولة نسبياً، لكن المشكلة تبدأ دائماً عندما تقرر المؤسسة العسكرية أنها تسعى نحو الكمال، نحو تلك الخمس في المائة الأخيرة.
إذ إن محاولة زيادة مدى الرادار عشرة كيلومترات إضافية فقط، أو تقليل البصمة الرادارية من حجم كرة تنس إلى حجم نحلة، تُضاعف تكلفة السلاح الموجود لديك. وهنا يظهر مفهوم معروف جداً في مجال الصناعة يُسمّى "Gold-Plating" أو "التغليف الذهبي"، أي أن تغطي سلاحك بالذهب مجازاً، بمعنى أن تضيف تحسينات صغيرة جداً في الأداء، لكنها تكلف مليارات إضافية.
ولنأخذ مثالاً حقيقياً من عام 2025: فقد قررت البحرية الأمريكية بناء فرقاطة جديدة تحمل اسم Constellation-class. كانت الفكرة في الأصل بسيطة وذكية: أن نأخذ تصميماً جاهزاً ومجرّباً – وهو الفرقاطة الإيطالية FREMM – ونُجري عليه بعض التعديلات الخفيفة لاستخدامه مباشرة بهدف تقليل التكلفة.
وكان من المفترض أن تكون تكلفة السفينة نحو 800 مليون دولار فقط، لكن – كالمعتاد – بدأت طلبات التحسين و"الخمس في المائة الأخيرة": معايير نجاة أعلى، تجهيزات إضافية، ومواصفات أمريكية خاصة. وفجأة، ارتفعت التكلفة إلى 1.6 مليار دولار للسفينة الواحدة وفق تقديرات عام 2025، أي الضعف تقريباً.
وفي نهاية المطاف، في ديسمبر 2025، اضطرت البحرية الأمريكية إلى تخفيض نطاق البرنامج نفسه وإلغاء جزء كبير منه.
لقد أفسدت الرغبة في الكمال المشروع بأكمله — وليس ذلك سوء نية — بل لأن الاقتصاد نفسه يؤكد أن التعديلات الأخيرة تُنتِج تكاليف تتجاوز حدود المنطق.
في الشرق الأوسط، تأخذ هذه الظاهرة شكلاً أكثر خطورة. فما زلنا نسير على النهج القديم، وفق المدرسة التقليدية، إذ نشتري السلاح بمنطق الهيبة والمكانة واللقطة الإعلامية، لا بمنطق الكفاءة الاقتصادية في القتال.
فعندما تشتري دولة عربية مقاتلات من نوع "رافال" أو "تايفون" بأسعار فلكية، فإنها عملياً تستنزف ميزانيات التشغيل والصيانة لعشر سنوات مقبلة.
والنتيجة أن الجيش يبدو في العرض العسكري مهيباً ومرعباً، لكنه في الواقع يعاني من هشاشة قتالية بسبب ندرة الذخائر وارتفاع تكلفة تشغيل السلاح نفسه.
كانت أزمة البحر الأحمر 2024–2025 اختباراً صعباً لهذا النموذج، لأنك تواجه طائرة مسيّرة بدائية لا تتجاوز قيمتها 20 ألف دولار، وتُطلِق عليها صاروخ دفاع جوي تتراوح قيمته بين 2.1 و4 ملايين دولار.
هذا منطق يستحيل أن يصمد في حرب تمتد لشهر واحد، دعك من عام كامل، لأنك ببساطة لا تملك التمويل اللازم لذلك، وحتى الشركات لا تمتلك القدرة الإنتاجية الكافية لتوفير الذخائر، حتى لو كان لديك المال لدفع الثمن.
وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، بميزانية دفاع تبلغ 900 مليار دولار، لن تستطيع الاستمرار في حرب طويلة بهذه الوتيرة لعدة أشهر فقط.
هنا يصبح الخصم غير مضطر إلى هزيمتك عسكرياً، فهو قادر على استنزاف اقتصادك ببساطة.
ما تعلمناه من أوكرانيا والشرق الأوسط هو أن المعركة لم تعد بين طائرة وأخرى، بل بين مخزون وآخر.
الدولة التي تستطيع إنتاج الصواريخ والذخائر باستمرار وثبات – حتى وإن كانت بسيطة – هي التي ستفوز في النهاية.
وهذا ما جعل الولايات المتحدة تكتشف أنها بحاجة إلى رفع وتيرة إنتاج صواريخ مثل "Javelin" و"Stinger"، بعدما أدى الاستهلاك في أوكرانيا إلى ابتلاع المخزون بمعدل أسرع بكثير من المتوقع.
وهذا يعني أن القدرة الصناعية هي في جوهرها قدرة قتالية.
ولهذا بدأ العالم بالتحوّل إلى نموذج جديد يُعرف باسم "Affordable Mass" أو "الكتلة القابلة للاستهلاك".
ففي عام 2025، ظهر داخل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) مفهوم جديد يُعرف باسم "Collaborative Combat Aircraft (CCA)".
تقوم الفكرة على أنه بدلاً من شراء طائرة مأهولة واحدة بتكلفة 300 مليون دولار والخوف من خسارتها في أي معركة، يكون لديك طائرة قائد ترافقها سرب من طائرات مسيّرة أرخص بكثير يمكن التضحية بها عند الحاجة دون خسائر مالية ضخمة.
وإلى جانبها أيضاً تُستخدم طائرات مسيّرة تجارية معدّلة مثل FPV لا تتجاوز تكلفتها من 500 إلى 1000 دولار للقطعة الواحدة.
وهنا تتغير قواعد اللعبة. لم يعد المهم أن تمتلك أفضل طائرة على الإطلاق، بل أن تمتلك عدداً كبيراً من الطائرات الجيدة بما يكفي، حتى وإن لم تكن مثالية.
وتركيا مثال واضح جداً على هذا الاتجاه من خلال مشاريعها مثل "Kızılelma" و**"ANKA-3"**.
لذلك، فإن السؤال المهم الذي ينبغي أن يطرحه كل مسؤول وكل مواطن هو:
هل نحن نشتري سلاحاً... أم نشتري عجزاً مستقبلياً، سواء كان مالياً أو عملياتياً وقت الصراع؟
ففي العلوم العسكرية، هناك قاعدة قديمة لكنها ما زالت صحيحة حتى اليوم: الكمّ في حد ذاته نوع من الكيف.
فالجيش الذي يستطيع تحمّل الخسائر ومواصلة القتال، أقوى من جيش يمتلك سلاحاً خارقاً لكنه نادر وباهظ الثمن، لأن السلاح الغالي بمجرد خسارته لا يُعوّض بسرعة، ومعه تخسر قدرة معنوية واقتصادية كبيرة.
ولهذا أصبح نزع السلاح الهيكلي واقعاً قائماً؛ فكل مرة نحتفل فيها بصفقة سلاح متطور جداً وغالٍ جداً، علينا أن نسأل أنفسنا: بماذا ضحّينا في المقابل؟
هل ضحّينا بالعدد؟ بالتدريب؟ بالجاهزية؟
إن القرار الاقتصادي الرشيد في مجال الدفاع اليوم ليس أن نشتري الأحدث، بل أن نشتري الأنسب والقابل للتطوير محلياً.
لأن السيادة الحقيقية لا تكمن في امتلاك التكنولوجيا فحسب، بل في القدرة على إنتاجها واستبدالها إذا سقطت منك في ساحة الحرب.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع