info@archon-defense.com
آركون

استحواذات شركات الصناعات الدفاعية التركية والسيطرة على سلاسل الإمداد

26 ديسمبر 2025
339 المشاهدات
9 دقيقة/دقائق للقراءة

ما علاقة شركة "بايكار" بإيطاليا؟ ولماذا تشتكي اليونان إلى الاتحاد الأوروبي من تزايد النفوذ التركي داخل الصناعات الدفاعية الأوروبية؟

هذا الجزء يحتاج إلى بعض التأمل والهدوء لنفهم جانبًا غير معروف في الصناعات الدفاعية التركية... جانبًا يختلف عن مقاطع الفيديو الخاصة بالطائرات المسيّرة وأخبار الصفقات العسكرية. إنه جانب اقتصادي وتجاري يمنحنا فهمًا أعمق لطبيعة هذه الصناعة، ويكشف تفاصيل غالبًا لا يُسلَّط عليها الضوء.

في عام 2022، فرضت رئاسة الصناعات الدفاعية (SSB) في تركيا التزامًا على أي شركة كبيرة تحصل على مشروع دفاعي، بأن تمنح ما لا يقل عن 21٪ من حصة العقد للشركات الصغيرة والمتوسطة. وتُسمّى هذه الشركات في تركيا "كوبي" (KOBİ)، أي ما يعادل الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) بالإنجليزية. كانت هذه خطوة مهمة لتفعيل دور تلك الشركات في القطاع الصناعي، وقد كتبت سابقًا عن أهمية هذه الفئة من الشركات، ولماذا تُعدّ هي المفتاح الحقيقي لتطوير الصناعات الدفاعية.

وفي الوقت ذاته، هناك قانون إلزامي آخر يفرض على الشركات تخصيص حد أدنى بنسبة 2٪ من قيمة العقود الدفاعية لتوطين أنشطة البحث والتطوير. وقد كان هذا أحد الأسباب التي جعلت شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) تنفّذ أكثر من 125 برنامجًا للتوطين، وتعمل حاليًا على 300 برنامج جديد في هذا المجال. ويوفّر ذلك ما يقارب مليار دولار سنويًا كانت ستغادر البلاد على شكل واردات.

تابع معي، فما زلنا لم نصل إلى صُلب الموضوع بعد، لكننا بحاجة إلى هذا الشرح أولًا.
تضع شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI) هدفًا يتمثل في إنتاج 1500 طائرة من أنواع مختلفة — بين مسيّرات، وطائرات تدريب، ومقاتلات — بحلول عام 2034. ومن بين هذه الطائرات، هناك 500 مقاتلة من طراز "قآن" (KAAN)، و350 مروحية من طرازي "أتاك" و"غوكباي"، إضافةً إلى 600 طائرة مسيّرة من نوعي "أقنجي" و"أقسونغور".

أما شركة "أسيلسان" (ASELSAN)، فقد حققت في عام 2024 نموًا بنسبة 13٪ وزيادة في الأرباح التشغيلية (EBITDA) بنسبة 25٪. وتسعى شركة "بايكار" (Baykar) إلى توسيع خطوط إنتاجها لتلبية الطلبات الواردة من 36 دولة، كما رفعت نسبة التوريد المحلي في منتجاتها من 38٪ عام 2008 إلى أكثر من 70٪ عام 2020.

المشروعات الكبرى مثل مشروع "ميلغِم" (MİLGEM) الخاص بالسفن الحربية تعتمد بنسبة تصل إلى نحو 65٪ على الموردين المحليين، ومن بين هؤلاء الموردين، نحو 48٪ هم من الشركات الصغيرة والمتوسطة.

تشير هذه البيانات مجتمعة إلى وجود طموح كبير، إلا أن الإمكانيات الحالية لا تتناسب تمامًا مع حجم هذا الطموح. ومن هنا يظهر الحل في الاستحواذات، إذ أن هذا الطموح، مع زيادة القدرة الإنتاجية، رغم أهميته، قد يتحول إلى مشكلة كبيرة. كنت قد تناولت هذا الأمر سابقًا عند الحديث عن جنوب أفريقيا، وكيف أن زيادة الإنتاج مع ضعف الطلب أدّت إلى انهيار صناعاتها الدفاعية بالكامل.

وفي تركيا، يتطلب هذا الطموح تنسيقًا دقيقًا في سلاسل الإمداد، وخفضًا في التكاليف الإدارية واللوجستية، إضافةً إلى تحقيق استقرار مالي. فمن الذي يمكنه تحقيق هذه المعادلة؟

بالضبط، الشركات الصغيرة والمتوسطة. فهي تمتلك قدرة أكبر على الحصول على التمويل بسرعة، ولديها أسواق قائمة تعمل فيها مسبقًا، كما تتميز بمرونة أكبر في الحركة والتطوير مقارنة بشركات كبرى مثل TAI التي تضم آلاف الموظفين وهياكل إدارية معقدة وسلسلة طويلة لاتخاذ القرار.

على سبيل المثال، استحوذت شركة بايكار في عام 2024 على شركة بياجيو (Piaggio) الإيطالية، وهي تُعد من أقدم شركات الطيران في إيطاليا. وبفضل هذا الاستحواذ، أصبحت "بايكار" قادرة على تصنيع منتجات الشركة الإيطالية داخل مصانعها في تركيا، وفي الوقت ذاته أصبحت هذه الصفقة فرصة للشركة لتجاوز العقبات المتعلقة بالتعريفات الجمركية وقيود التجارة الدولية. كما ساعدها هذا الاستحواذ في الوصول إلى سلاسل الإمداد الأوروبية من خلال شركة قائمة بالفعل، تعمل وفق معايير حلف الناتو والاتحاد الأوروبي.

وفي عام 2023، استحوذت شركة SYS التركية على شركة AEI Systems Ltd البريطانية، وهي شركة متخصصة في إنتاج المدافع متوسطة العيار. وقد حصلت الشركة التركية على 80٪ من أسهم الشركة البريطانية، بقيمة تقدّر بحوالي مليار ليرة تركية آنذاك، ما أتاح توزيعًا للإنتاج وأعمال التطوير بين تركيا والمملكة المتحدة. وبذلك، فُتحت أمام الشركة التركية أسواق جديدة يمكنها الدخول إليها عبر الشركة البريطانية، إلى جانب تحقيق توزيع متوازن للمخاطر ولخطوط الإنتاج في الوقت نفسه.

وفي العام نفسه، 2023، استحوذت شركة نورول (Nurol) التركية على شركة إندستري كيراميك هوخرهاين (IndustrieKeramik Hochrhein - IKH) الألمانية، وهي شركة متخصصة في صناعة المواد الخزفية المستخدمة في العربات المدرعة والدبابات. هذا الاستحواذ وسّع نشاط شركة نورول التركية في مجال السيراميك الباليستي، ومنحها سيطرة أكبر على سلاسل الإمداد، سواء في داخل تركيا أو في الأسواق الأوروبية.

أما هذا العام، فقد استحوذت شركة آركا سافونما (ARCA Savunma) التركية على شركة إسبلودينتي سابينو (Esplodenti Sabino S.p.A) الإيطالية، وهي شركة تعمل في مجال الذخائر وخدمات التخلص من المتفجرات. وتُعد هذه الشركة مهمة لكلٍّ من حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، ولها عقود مستمرة مع وزارة الدفاع الإيطالية. وتشير التقارير إلى وجود خطط لدى الشركة التركية لتوسيع نشاط الشركة الإيطالية ليشمل مجالات الصواريخ والذخائر المدفعية، وبالتالي الدخول إلى السوق الأوروبية عبر بوابة هذه الشركة.

كانت شركة سارسيلماز (Sarsılmaz) التركية قد استحوذت في وقتٍ سابق على شركة فينتشنزو بيرنارديلي (Vincenzo Bernardelli) الإيطالية، وهي شركة متخصصة في صناعة الأسلحة الخفيفة. وقد نقلت الشركة التركية خطوط الإنتاج إلى داخل تركيا مع الحفاظ على العلامة التجارية الإيطالية، إلا أنها، بفضل هذا الاستحواذ، تمكنت من إغراق السوق الأوروبية بمنتجات أقل كلفة وأعلى جودة في الوقت ذاته.

وفي هذا الشهر، أعلنت شركة أسان (ASSAN) عن استحواذها على شركة داينافلو تكنولوجيز (Dynaflow Technologies) الجنوب أفريقية، وهي شركة متخصصة في تصنيع الصواعق الخاصة بالذخائر. جاء هذا الاستحواذ بهدف دعم خطة الشركة التركية في توسيع قدراتها في مجال البحث والتطوير، ودمج خبراتها مع القدرات التقنية للشركة الجنوب أفريقية، وفي الوقت نفسه فتح أسواق جديدة تخدم مصالح كلتا الشركتين، سواء داخل تركيا أو خارجها.

ولا تقتصر عمليات الاستحواذ هذه على الشركات الأجنبية فحسب، بل تشمل أيضًا صفقات داخل تركيا نفسها.
فقد استحوذت شركة سارسيلماز على شركة يافاشجالار لصناعة معدات الصيد والذخائر الرياضية (Yavaşçalar Av Spor Malzemeleri)، وذلك بهدف توسيع نطاق الإنتاج وتعزيز السيطرة الأفقية على السوق المحلي. وبعد ذلك، في عام 2024، استحوذت الشركة نفسها على مجموعة بيست غروب (Best Group)، وهي شركة متخصصة في تصنيع أبراج التحكم عن بُعد، لتدخل بذلك للمرة الأولى مجال الأنظمة البرية والبحرية.

وأخيرًا، في عام 2024، استحوذت مجموعة شركات نورول القابضة (Nurol Holding) على حصة شركة BAE Systems البريطانية في شركة FNSS التركية الرائدة في تطوير وإنتاج المدرعات. ولم يكن هذا الاستحواذ على شركة صغيرة أو متوسطة، بل يعد استحواذًا استراتيجيًا مهمًا لشركة نورول، إذ مكّنها من السيطرة على السوق لتصبح المالك الوحيد لشركة FNSS، مما يتيح لها تطوير عملية توطين الملكية الفكرية لمنتج تركي يُعد من بين الأهم في مجال الصناعات الدفاعية.

الزاوية التي غالبًا لا نلتفت إليها في موجة الاستحواذات هذه هي أن تركيا تحاول أن تتحول من مجرد مورد للمكوّنات إلى "مهندس المعمار" المسؤول عن السلسلة بأكملها.
أي أن الهدف لم يعد يقتصر على تصنيع جزء وبيعه، بل أن تكون هي من تصمم شبكة الإنتاج نفسها، وتحدد من يدخل السوق ومن يخرج منه، ومن يستمر ومن يختفي. فعندما تشتري شركة تركية مصنعًا للذخائر في إيطاليا، أو منشأة لإنتاج السيراميك الباليستي في ألمانيا، أو شركة تصنع الصواعق في جنوب أفريقيا، فهي لا تفتح سوقًا جديدًا فحسب، بل تخلق حالة من الاعتماد المتبادل.
فأوروبا تحتاج إلى القدرات التقنية للشركات التي أصبحت مملوكة لتركيا، وتركيا في المقابل تحتاج إلى السوق الأوروبي لتوسيع حجم إنتاجها وتعزيز تنافسيتها.

هل تُعد هذه الاستحواذات أمرًا إيجابيًا يعود بالنفع على الصناعة، أم أنها قد تضر بها على المدى الطويل؟
هو سؤال اختلفت فيه وجهات النظر بين الخبراء. فلهذه العمليات فوائد عديدة، من بينها فتح أسواق جديدة، والسيطرة على سلاسل الإمداد التي تحدثت سابقًا عن كونها جزءًا أساسيًا من مفهوم الأمن القومي ذاته. كما تسهم هذه الاستحواذات في تقليل الاعتماد على الاستيراد وفتح أسواق خارجية أكثر مرونة وأقل قيودًا، وخصوصًا في السوق الأوروبي الذي تشهد تركيا توسعًا متسارعًا فيه إلى درجة أن اليونان وقبرص اليونانية تشتكيان بشكل متكرر إلى الاتحاد الأوروبي من تزايد نفوذ الصناعات الدفاعية التركية داخل القارة.

لكن في الوقت ذاته، هناك سلبيات خطيرة لعمليات الاستحواذ بوجه عام، من أبرزها أنها قد تؤدي إلى الاحتكار، حين يصبح عدد محدود من الشركات هو المسيطر على السوق والصناعة بأكملها.
وقد ورد في تقرير عن قطاع الطيران والدفاع التركي أن هذا القطاع في تركيا يُنظم على شكل هرمٍ صناعي، قاعدته العريضة مكونة من عدد ضخم من الموردين الصغار، بينما قمته تضم عددًا محدودًا من الشركات الكبرى. ولهذا السبب، فإن كل عملية استحواذ تحتاج دائمًا إلى إعادة ضبط لهذا الهرم، لأن أهم جزء فيه هو الشركات المتوسطة الحجم، وهي الفئة التي تتراجع مع ازدياد عمليات الاستحواذ، ما يعني إضعاف عنصرَي المرونة والابتكار داخل المنظومة الصناعية ككل.

كما أن الاستحواذ يُفقد الشركات التي خضعت له جزءًا من مرونتها وقدرتها على الابتكار، إذ تتحول في كثير من الأحيان من كيانٍ منافسٍ مستقل في السوق إلى قسمٍ داخلي تابع للشركة الكبرى المالكة.

وتشير بعض التقارير الأوروبية إلى أن صفقات استحواذ الشركات التركية على نظيراتها داخل الاتحاد الأوروبي تمكّن تلك الشركات من الحصول على تمويل أوروبي، وهو ما يخلق منافسة غير متكافئة بالنسبة للشركات الأوروبية الأخرى، ويثير قلق بعض الدول، وعلى رأسها اليونان.

وهناك سلبية أخرى تحمل في طياتها قدرًا من الإيجابية، وهي أن نقل جزء من القدرات الصناعية والإنتاجية إلى خارج البلاد قد يُحدث ضررًا على الصناعة الوطنية من حيث فقدان الوظائف والخبرة المحلية، لكنه في المقابل يحقق فائدة مهمة تتمثل في توزيع المخاطر، وهي مسألة شديدة الأهمية في صناعة حساسة كصناعة الدفاع.

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:
في حالة اندلاع أزمة سياسية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، من ستكون له اليد العليا؟ من سيمتلك القدرة على الضغط على الآخر؟
هل يمكن لتركيا أن تستخدم سلاسل الإمداد كسلاحٍ سياسي ناعم؟ أم أن هذه الشركات نفسها قد تتحول إلى أدوات ضغط داخل المنظومة التركية لتخفيف حدة أي صدام محتمل مع أوروبا؟

لأنها شبكة مصالح معقّدة، جزء منها يمثل مصدر قوة، وجزء آخر قد يتحول إلى نقطة ضعف إذا لم تكن هناك سياسة صناعية واعية تضع قواعد لعب واضحة، وتحمي طبقة الشركات المتوسطة من الذوبان داخل الكيانات العملاقة.

في رأيي، هناك موجة متصاعدة من الاستحواذات التركية، ولا يمكن النظر إليها على أنها مجرد أخبار متفرقة عن صفقات لا يربطها شيء ببعضها، بل هي جزء من محاولة ممنهجة لنقل الصناعات الدفاعية التركية من مرحلة السعي وراء اللحاق بالركب إلى مرحلة إعادة رسم الخريطة ذاتها.

تركيا تسعى لأن تكون في قلب سلاسل الإمداد الأوروبية، وترفض أن تلعب دورًا هامشيًا، مستخدمةً في ذلك مزيجًا من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وعمليات الاستحواذ، وسياسات توطين الإنتاج لبناء موقع ثابت لها داخل منظومة دفاعية عالمية تشهد تحولًا كبيرًا.

ورغم أن هذه السياسة تحمل بعض السلبيات، فإن ما سيصنع الفارق في النهاية هو كيفية تعامل تركيا مع الاستحواذات:
هل ستتعامل معها بوصفها سلاحًا استراتيجيًا طويل المدى يُدار في إطار واضح يحافظ على التنوع والابتكار؟
أم ستراها طريقًا سريعًا لتضخيم أرقام الصادرات والأرباح على حساب قوة منظومتها الدفاعية في المدى البعيد؟

ومن وجهة نظري، فإن المعركة الحقيقية ليست مع اليونان في شكاواها المتكررة إلى الاتحاد الأوروبي، بل داخل أنقرة نفسها، في طريقة إدارة الهرم الصناعي الدفاعي التركي، وفي قدرتها على حماية الطبقة الوسطى من الشركات التي تشكّل القاعدة الصلبة الحاملة لهذه الصناعة من الأساس.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع