info@archon-defense.com
آركون

لماذا تعجز الدول عن إنتاج سلاح رخيص؟

29 ديسمبر 2025
562 المشاهدات
5 دقيقة/دقائق للقراءة

الدول المتقدمة في صناعة الدفاع قادرة على صناعة أسلحة متطورة، لكنها عاجزة عن تطوير وإنتاج أسلحة رخيصة بكميات كبيرة. دعونا نتابع سبب المشكلة هذه.

تاريخياً، ركّزت دول الناتو أو الدول الغربية عامة على التفوق التقني، وامتلاك أسلحة نوعية. لكن الحرب الأوكرانية جاءت لتقول للجميع إن عمق المخزون والقدرة على الإنتاج الكمي ليسا أقل أهمية من الجودة والأسلحة المتطورة، خاصة إذا كنا نتكلم عن حروب طويلة. وشاهدنا بعد 2022 أن الناتو نفسه كان بحاجة إلى إعادة بناء قدراته الصناعية، إلى حد أن TNT نفسه لم يكن متوفراً محلياً في أمريكا.

ولكن المعلومة الشائعة التي ذكرتها في الفقرة السابقة ليست دائماً صحيحة. ليست دائماً الأسلحة الغربية أغلى من الروسية والصينية مثلاً. مشكلة الغلاء حقيقية لكنها ليست متساوية في جميع الفئات وليست ثابتة.

في مجالات كثيرة نجد أن الأسعار قريبة من بعضها. على سبيل المثال، الصواريخ الروسية مثل كالِيبور وKH-101 تكلف ما بين مليون و2 مليون دولار للصاروخ الواحد، وهو قريب جداً من تكلفة توماهوك التي اشترتها البحرية الأمريكية بحوالي 2.2 مليون دولار للصاروخ.

بل إن في بعض الحالات مثل صاروخ JASSM الأمريكي، قد يكون السعر أقل من الروسي رغم رأسه الحربي والقدرات الشبحية الأفضل. ونفس المنطق ينطبق على الصواريخ الباليستية؛ إسکندر الروسي يتراوح سعره بين 2–3 ملايين دولار، وهذا تقريباً نفس مستوى صاروخ أمريكي جديد مثل PrSM.

لكن في السفن الحربية، تبين الفجوة بصورة أوضح. كوريا الجنوبية بنت 3 مدمرات أجييس بحوالي 3 مليارات دولار، في حين أن تكلفة مدمّرة واحدة من فئة أرلي بيرك في أمريكا تتجاوز 2 مليار دولار. أما في المسيرات، فالفجوة ضخمة جداً: مسيرة تكلف 6000 دولار في جيوش الناتو، ويمكن عمل بديل أوكراني يدوياً بحوالي 600 دولار فقط.

لو فكرنا في ما هي العوامل التي تتحكم في تكلفة إنتاج الأسلحة، فسنجدها كما يلي:

  • حجم الإنتاج: كلما زادت الكمية انخفضت التكلفة. هذا هو المبدأ الأساس في اقتصاديات الحجم مثل أي صناعة أخرى.

  • المواصفات: المطالبة بأداء متقدم تجعل التكلفة أعلى.

  • البيئة التي يُصنع فيها السلاح: وهي التي تحدد تكاليف العمالة والقوانين في الدولة.

  • الثقة: عندما تكون هناك ثقة في وجود طلبات كثيرة، يمكن الاستثمار بشكل أكبر وتقليل الهدر في الموارد. أكثر عامل يؤثر فعلاً في تكلفة السلاح هو اليقين في الطلب. فعندما تكون الشركات على علم بأنها ستنتج السلاح نفسه بكميات ثابتة ولسنوات طويلة، تستطيع أن تستثمر في خطوط إنتاج أرخص وأكثر كفاءة، مما يخفض تكلفة الوحدة بشكل كبير. لكن عندما يكون الطلب متقطعاً أو موسمياً، فإن التكلفة ترتفع.

إذن.. لماذا التصنيع الدفاعي مكلف؟

السبب الرئيسي، إذا فكرنا في الموضوع من منظور اقتصادي، هو كلمة "الحوافز".

ماذا يعني هذا الكلام؟

يعني أن الأطراف المشاركة في معادلة التصنيع الدفاعي ثلاثة، ولكل واحد منهم حوافز مختلفة:

  • المؤسسة العسكرية: وهي تريد أسلحة أفضل، وحماية أعلى، وكفاءة ممتازة، بغض النظر عن التكلفة.

  • الحكومات والسياسيون: وهؤلاء يرغبون في الأسلحة المبهرة التي تصلح للدعاية لمشروعاتهم، كما يريدون أن يحقق التصنيع الدفاعي فرص عمل ووظائف ذات قيمة عالية للمواطنين، حتى لو كانت المشاريع غير فعالة أو غير اقتصادية.

  • الشركات المصنّعة: وهدفها الربح. ومعظم عقود الدفاع تسير بنظام "التكلفة + هامش ربح نسبة للتكلفة"، وبالتالي لا تجد الشركات غضاضة في زيادة التكلفة، لأن ذلك يعني زيادة أرباحها.

هناك سبب آخر، وهو أنّ هناك فعلاً عوائق تقنية وإدارية. تحدثت عنها من قبل، وهي أنّه منذ اللحظة التي يُقال فيها "سنصنع سلاحاً جديداً"، تجد أنّ القوات المختلفة، كل واحدة منها تطلب مواصفات معينة، وكل إضافة تقنية تُضيف كثيراً إلى التكلفة.

فعلى سبيل المثال، فرقاطات "كونستليشن" الأمريكية تغيّر تصميمها عدة مرات إلى درجة أنّ آخر تعديل كان مختلفاً بنسبة 70٪ عن التصميم الأصلي.

وسبب آخر هو أنّ الطلبيات على الأسلحة الجديدة لا تكون سريعة، وهذا يؤدي إلى تردد لدى صانعي القرار في الاستثمار في خطوط إنتاج ضخمة.

بعد الحرب الأوكرانية، بدأت بعض الدول تفكر بطريقة مختلفة قليلاً من أجل خفض التكلفة.

أصبح هناك توجّه نحو استخدام مكوّنات مدنية في صناعة السلاح بدلاً من أن يُصنع كل جزء خصيصاً للغرض العسكري، كأن تُستخدم قطع جاهزة ومجربة في السوق المدني بدلاً من إعادة اختراع العجلة من البداية.

كما بدأت دول أخرى تتفق فيما بينها على الشراء الجماعي، بحيث تكون الطلبيات كبيرة وثابتة، مما يعطي المصانع الثقة للاستثمار وزيادة الإنتاج.

وظهرت أيضاً فكرة أخرى، وهي المزج بين أسلحة غالية ومتطورة جداً بأعداد محدودة، ومعها أسلحة أبسط وأرخص تُنتج بأعداد كبيرة، مثل الطائرات المسيّرة والذخائر الذكية منخفضة التكلفة.

وهناك اتجاه آخر مهم، فبدلاً من أن نستبدل السلاح الغالي، نحن ندعمه بسلاح أرخص يُكمل دوره. أي أن تكون لدينا أعداد محدودة من الأنظمة المتطورة، ومعها أنظمة أبسط وأرخص بأعداد كبيرة، سواء كانت طائرات مسيّرة، أو ذخائر موجهة، أو حتى طوربيدات منخفضة التكلفة تُستخدم ضد الأهداف الصغيرة بدلاً من استنزاف الذخائر الغالية.

خطورة الأمر تكمن في أن القدرة على تحمّل التكلفة ليست قراراً تقنياً فقط، بل هي نتيجة تفاعل ثلاث جهات مختلفة: الجيش الذي يسعى إلى أقصى أداء ممكن، والسياسي الذي يفضّل المشاريع الضخمة ذات الرمزية والدعاية، والشركات التي بطبيعتها تبحث عن الربح وتقليل المخاطر. وهكذا تجد أن هذه الجهات الثلاث تدفع المنظومة كلها نحو مزيد من التعقيد وارتفاع التكلفة، حتى وإن لم يقصد أحد ذلك بشكل مباشر.

ومن المهم أن نوضح أن الهدف ليس أن يكون السلاح رخيصاً فحسب، بل أن تكون القدرة القتالية فعالة من حيث التكلفة، وأن تتمكن الجيوش من توفير العدد الكافي من الأسلحة المطلوبة، والحفاظ عليها، واستبدالها في أوقات الضغط، دون أن تنهار ميزانيتها.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع