info@archon-defense.com
آركون

اقتصاديات الجاهزية.. الحرب التي تُحسم قبل إطلاق الرصاصة الأولى

5 يناير 2026
383 المشاهدات
8 دقيقة/دقائق للقراءة

أكتب هذا المقال الآن وأنا أسمع أغنية "خلي السلاح صاحي". لفتت نظري أنها تردد عبارة "صاحي" ثلاث مرات.

عند دراستی لمفهوم يسمى اقتصاديات الجاهزية فهمتُ أهمية كلمة “السلاح صاحي”. وهذا ليس مبالغة؛ نعم، أقولها كـhook لتكمل القراءة، لكن أعدك أنك ستفهم لماذا أقول ذلك الآن.

دعنا نبدأ ونكتشف حقائق مثيرة، لكنها قد تغيّر نظرتك تماماً إلى التسليح وميزان القوة العددية لأنظمة الدفاع عند الدول.

إذا سألتك عن أهم سلاح في العالم حالياً، فسيكون الرد: الـF-35. ستقول: نعم، فطنتَ ومذاكرتك جيدة. ولكن هل تعلم أنها في الوقت نفسه من أقل الأسلحة جاهزية على مستوى العالم؟ وهذا يعود إلى تكلفة عالية جداً على الدول المالكة لهذه المنظومة، تكلفة بملايين الدولارات سنوياً.

سأطرح لك مثالاً يوضّح ما أقصده، لكن اشترط عليك أن تكمل قراءة المقال بعد فهم هذا المثال، وألا تتركه قبل الوصول إلى معلومات أكثر أهمية…

تخيّل أنك اشتريت سيارة "فيراري"، لكنها مركونة في المرآب لديك، ولا تستطيع قيادتها لأن هناك فلترًا واحدًا لا يُباع إلا لدى شركة "فيراري". تنزل إلى منطقة ورش عمل السيارات لتسأل عنه، فيقول لك الجميع: "لا والله يا بشمهندس، هذا الفلتر لا يتوافر في السوق". فتطلبه من الشركة نفسها، فتجيبك: "حاضر"، ثم تتركك منتظرًا شهورًا طويلة، حتى وإن كان لديك سفر مهم وتحتاج إلى السيارة فيه.

وبعد طول انتظار، يصل الفلتر أخيرًا، فتخبرك الشركة قائلة: "انتظر، يجب أن يأتي مهندس من (فيراري) بنفسه لتركيبه"، وبينما يحدث ذلك، تكون قد دفعت ثمن الفلتر نفسه، وأجر المهندس، إضافة إلى أنك انتظرت كثيرًا.

هذا بالضبط هو شكل الاقتصاد الحقيقي للدفاع في الوقت الحالي.

ولماذا يعد هذا الموضوع مهمًا؟
لأنه يغيّر فكرتنا عن قياس القوة بعدد الطائرات أو الدبابات أو الصواريخ التي تمتلكها الدولة، ويضيف بُعدًا آخر أكثر أهمية، وهو مستوى الجاهزية. كما يجعلنا نفكر في التشغيل قبل التفكير في الشراء.

على سبيل المثال، يُعَدّ برنامج الـF-35 أغلى مشروع عسكري في تاريخ البشرية. بلغت تكلفته الإجمالية أكثر من تريليوني دولار. لا، لا، لحظة واحدة! توقّف هنا قليلًا، لأن هذا الرقم يعادل تقريبًا حجم الاقتصاد المصري أربع مرات! هل يمكنك تخيّل ذلك؟ أجبني، هل تدرك حجم هذا الرقم فعلًا؟

حسنًا، ممتاز. تعالَ الآن لنرى تفاصيل هذا الرقم.
منه 422 مليار دولار خُصِّصت للشراء والتطوير، بينما الـ1.58 تريليون دولار المتبقية فهي لتشغيل المشروع وصيانته.

في اقتصاديات الدفاع، يوجد نموذج تسعير شهير يُسمّى نموذج "الشفرة والموس" (Razor and Blade Model). ولماذا سُمّي بهذا الاسم؟ لأن الفكرة تنبع من الاسم ذاته: الشركة تبيعك ماكينة الحلاقة بسعر منخفض، ثم تضطرك لاحقًا إلى شراء الشفرات والزيت الخاص بها بسعر مرتفع من الشركة نفسها.

وفي مجال الدفاع، المنطق نفسه تقريبًا. المنظومة الأصلية تُباع بسعر تنافسي، لكن قطع الغيار تُنتجها الشركة نفسها وتكون مرتفعة السعر. البيانات الفنية مملوكة للشركة، وأعمال الصيانة يجب أن تتم من خلالها، أما التدريب فيكون عبر معاهد معتمدة تتبعها. وهكذا تستمر الدائرة.

هذا يعني أنك مُجبَر على إقامة علاقة طويلة الأمد مع الشركة أو الدولة التي اشتريت منها السلاح. عمر هذه العلاقة يساوي العمر الافتراضي للسلاح الذي اقتنيته، وتلك الشركة أو الدولة تمسكك من يدك التي تؤلمك طوال هذه الفترة… حرفيًا.

والأخطر من ذلك أن هذا الاعتماد على الشركة لا يلزم أن يُستخدم ضدك بشكل صريح، بل قد يكون بأساليب غير مباشرة، مثل أن يُقال لك: "المخزون نفد"، أو "ننتظر مكوّنًا محددًا لقطعة الغيار"، أو تُفرض عليك قيود في التصدير والاستيراد، سواء عليك مباشرة أو على الشركة التي تتعامل معها.

وهذا الكلام ليس نظريًا بالمناسبة. ففي ديسمبر من عام 2025، أي منذ بضعة أسابيع فقط، ذكر مكتب المفتش العام في البنتاغون في تقريره أن جاهزية مقاتلات الـF-35 لا تتجاوز 50٪ فقط، في حين أن الحد الأدنى المطلوب هو 67٪. أي أن هناك حظيرة طائرات ممتلئة بالمقاتلات، ولكن نصفها فقط يمكن استخدامه فعليًا.

لا، انتظر لحظة… نسبة الـ50٪ هذه ليست حتى الجاهزية الكاملة. فإذا تحدثنا عن الجاهزية الكاملة الفعلية، فإن الرقم ينخفض إلى 30٪ فقط. أي إذا كانت لديك عشر طائرات، فلن تتمكن من تشغيل سوى ثلاث منها فقط بكامل قدراتها.

تلقَّ هذه المفاجأة، أو لنقل هذه الصدمة: هل تعلم أن مستوى الجاهزية لنفس الطائرة في إسرائيل يبلغ 85٪؟

في الوقت الذي كانت فيه القوات الجوية الأمريكية تكافح لرفع جاهزية مقاتلات F-35A إلى 51.5٪، كانت إسرائيل تُشغّل أسطولها المكوَّن من 39 مقاتلة F-35I بمؤشر جاهزية يبلغ 85٪ من القدرة التشغيلية (Mission Capability Index).

وفي المرحلة الأولى من حرب أكتوبر عام 2023، كانت خمس طائرات فقط من أصل 39 معطَّلة، إلا أن إسرائيل أصلحت أربعًا منها فورًا قبل أن يبدأ اليوم الأول من الحرب فعليًا.

بل وأضف إلى ذلك أن إسرائيل تُشغّل هذه الطائرات بمعدل ساعات طيران شهري يزيد بنسبة 565٪ عن المتوسط الأمريكي، من دون أن تنخفض الجاهزية بشكل كبير.

أما السؤال الحقيقي فهو: كيف فعلوا ذلك؟

سأتحدث استنادًا إلى المصادر التي قرأتها، ولكن للموضوع قراءة أخرى أظن أنك ستفهمها دون أن أصرّح بها صراحةً…

الإجابة ببساطة تكمن في السيطرة على سلسلة الإمداد العالمية لقطع الغيار والبيانات الفنية.

تمتلك إسرائيل علاقات استراتيجية تتيح لها الحصول على قطع الغيار من حلفاء الولايات المتحدة خلال أيام قليلة فقط. لحظة واحدة... هل استوعبت ذلك جيدًا؟ قطع الغيار الخاصة بطائرة أمريكية تتأخر على القوات الجوية الأمريكية نفسها، لكنها لا تتأخر على إسرائيل.

وفوق ذلك، قامت إسرائيل بتطوير نسختها الخاصة من مقاتلة F-35 بتعديلات محلية، تشمل خزان وقود إضافيًا، وأنظمة حرب إلكترونية محلية، وأسلحة متطورة من إنتاجها المحلي.

وإن كنت تظن أن هذه حالة خاصة بالولايات المتحدة ومقاتلات الـF-35 فقط، فدعنا ننتقل إلى ألمانيا.

تقرير مفوض البرلمان الألماني للقوات المسلحة لعام 2024 أشار إلى وجود عجز مستمر في المعدات الرئيسية وقطع الغيار والذخيرة. بلغ العجز حدًّا دفع ألمانيا، الدولة الصناعية الكبرى، إلى تفكيك بعض الأسلحة لاستخدام قطع غيارها في إصلاح وتشغيل معدات عسكرية أخرى — مثل عربات MARDER التي جرى تفكيك بعضها لإعادة تشغيل منظومات أخرى.

خذ هذه النقطة أيضًا: جاهزية القوات المسلحة الألمانية اليوم تبلغ 50٪ فقط. أتدري كم كانت قبل الحرب الأوكرانية؟ كانت 65٪. أي أنها تتراجع بدلًا من أن تتحسن، والتوقعات تشير إلى إمكانية انخفاضها إلى 20٪ بحلول عام 2027. أما منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى، فمن المتوقع أن تكون جاهزة بحلول عام 2029 — وعليك خير بعدها.

أرجوك ركّز معي هنا... ألمانيا تنفق على الدفاع بمعدلات قياسية خلال السنوات الأخيرة، ورغم ذلك تنخفض الجاهزية؟ نعم، هذا صحيح. لأن المشكلة الحقيقية تكمن في سلاسل الإمداد العالمية وفي قدرات الصيانة والتشغيل المحلية. ولهذا السبب قلت لك في البداية إن هذا البعد بالغ الأهمية عند دراسة القدرات الدفاعية.

وإذا وصلتَ إلى هذه النقطة من المقال، فأنت صديقي حقًا، وتستحق أن أخبرك كيف تُحل هذه المعضلة.

الحل لا يحب الكثيرون التحدث عنه، لأنه يُفسد الوهج الإعلامي الذي يُصاحب كل صفقة تسليح جديدة. لكن خذها مني، ولن يخبرك أحد بها بهذه الصراحة المباشرة:

الصفقة التي لا تتضمن سيطرة على الصيانة والبيانات هي صفقة ناقصة.

لأنك — إن تأملت كل ما سبق — ستكتشف أن التحول الحقيقي لا يبدأ بالسؤال "ماذا سأشتري؟"، فهذا هو السؤال السهل، وإنما يبدأ بالسؤال "كيف سأُشغِّله؟ وبأي تكلفة؟ ومن يمتلك السيطرة؟"

عليك أن تدرك أن البيانات الفنية ليست مجرد أوراق تُضاف إلى نهاية الملف. الكتالوجات، أدوات الاختبار، صلاحيات مراكز الصيانة، وحقك في إجراء التعديلات المحلية — هذه ليست ملاحق جانبية، بل هي الأساس.
هي التي تحدد ما إذا كنت تملك السلاح فعليًا أم أنك مجرد مستأجر عند الشركة.

حسنًا، حتى لو حصلتَ على البيانات الفنية، هل ستتمكن من إصلاح كل شيء منذ اليوم الأول؟
بالطبع لا.

الفكرة ليست أن تتحول إلى مُصنِّع منذ السنة الأولى، بل أن تبني قدرة صيانة وتشغيل محلية تدريجيًا. تبدأ بالأجزاء الأقل حساسية — تلك التي تتعطل كثيرًا وتُوقِف المنظومة بأكملها بسبب قطعة صغيرة — ثم ترتقي خطوة بخطوة إلى المكوّنات الأكثر تعقيدًا... حتى تمتلك في النهاية هامش استقلال حقيقي.

وهنا تأتي النقطة التي تؤلم أولئك الذين يهتمون بالمظاهر فقط: الجاهزية تحتاج إلى مال، وميزانيتها يجب أن تكون منفصلة تمامًا عن ميزانية الشراء.

أسهل شيء في العالم أن تُقلِّص ميزانية الصيانة لتُمَوِّل صفقة جديدة وتظهر بصورة جذابة أمام الرأي العام.

لكن هذا ليس "توفيرًا"... إنه تخريب للقدرات الدفاعية بأكملها.

الجاهزية يجب أن تمتلك ميزانية تشغيل وصيانة مستقلة، تمامًا مثل بند الرواتب أو الكهرباء في الشركات.
لا يمكن تقليصها بحجة شراء آلة قهوة جديدة، لأنك ببساطة بذلك تستبدل القدرة الحقيقية بالديكور الزائف.

آخر حل — أو بالأحرى آخر وعي استراتيجي — هو أن تدرك أن مخزون قطع الغيار ليس رفاهية، بل عقيدة.
فالدولة التي تُدخل منظومات تسليح جديدة دون أن تضع في حسابها مخزون قطع غيار لسنوات مقبلة، إنما تشتري مشكلة مؤجلة، وليست مشكلة بسيطة.
مشكلة تظهر في يوم الأزمة، حين تكتشف أن قطعة صغيرة بحجم كف يدك — لكن غيابها — حوّل منظوماتك إلى خردة.
أو ربما تكون القطعة متوافرة، ولكن في مكان بعيد، أو خاضعة لقيود تصدير، أو أنك ببساطة تنتظر دورك كأي زبون آخر.

عند هذه اللحظة، لن يكون لعدد الطائرات أو الدبابات أي معنى يُذكَر.

ولهذا السبب تحديدًا، فإن الجاهزية نفسها تُعَدّ سلاحًا جيوسياسيًا.
سلاح بلا صواريخ، لكنه يقوم على الورق، والمواصفات الفنية، وسلاسل الإمداد.

وليس من الضروري أن يُستخدم هذا السلاح ضدك بشكل مباشر.
يكفي أن يحدث تأخير بسيط في التسليم، أو نقص في المخزون، أو قيود في التصدير، أو تأخر في اعتماد مركز الصيانة، أو انتظار مكوّن محدد لقطعة غيار…
حينها ستكتشف أن لديك سلاحًا — لكنه ليس يقظًا.

والدولة التي تفهم اقتصاديات الدفاع فهمًا حقيقيًا، ستدرك أن السيادة لا تتحقق بمجرد الشراء، بل بالقدرة على تشغيل ما تشتريه.


مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع