info@archon-defense.com
آركون

هيكل الصفقات العسكرية التي عطلت الصناعات الدفاعية المصرية

28 ديسمبر 2025
339 المشاهدات
6 دقيقة/دقائق للقراءة

أكتب منذ فترة وأكرر أن مشكلة الصناعات الدفاعية المصرية ليست في غياب الشركات أو الكفاءات، بل في غياب الإرادة السياسية. يردّ عليّ البعض بعبارات مثل: "ألم ترَ مشروع تورنكس؟ إننا نصنع أسلحة متطورة لكننا لا نعلن عنها."

في كل مرة كنت أُثبت عبثيّة هذه الردود بالمنطق والمعلومات، من الناحية التقنية والاقتصادية، لأن الصناعة التي يُقال إنّها موجودة ولكنها سرية، لا بدّ أن يكون لها أثر طبيعي على الواقع: على قطع الغيار، وعلى الصيانة، وعلى سلاسل الإمداد، وعلى التدريب، وعلى زمن التعطل، وعلى فاتورة الاستيراد، وعلى الصادرات. السرية قد تُخفي اسم مشروع أو رقم قدرة، لكن من المستحيل أن تُخفي أثر منظومة كاملة في دولة بحجم مصر.

أما هذه المرة، ولأول مرة، فسنتحدث عن هذه المشكلة من منظورٍ مختلف تماماً، وهو طبيعة الصفقات التي تبرمها مصر في مجال التسليح.

ولكي نتابع الموضوع من بدايته، دعونا نبدأ من الأول؛ فالكلام الآتي يعرفه كل من يشغل منصباً مهماً في وزارة الدفاع المصرية، ولكن لا أحد يتحدث عنه، ولا يُسمح حتى بمناقشته، بل ولا يعرف به العديد من قيادات الجيش المصري في المستويات الأدنى من تلك التي تحضر الاجتماعات العليا.

إن نقل السلاح الأمريكي إلى مصر يخضع لقوانين ولوائح محددة، مثل قانون الرقابة على تصدير السلاح الأمريكي (AECA – Arms Export Control Act)، وقانون المساعدات الخارجية الأمريكية (FAA – Foreign Assistance Act).

كما تُنظَّم تلك العمليات من خلال لوائح الاتجار الدولي في الأسلحة (ITAR – International Traffic in Arms Regulations)، وهي التي تتحكم في تصدير ونقل المعدات الدفاعية الأمريكية.

وبالتالي، فإن أمام مصر مسارين فقط لا غير:
برنامج المبيعات العسكرية الخارجية (FMS – Foreign Military Sales)، وهو نظام "من حكومة إلى حكومة"،
أو المبيعات التجارية المباشرة (DCS – Direct Commercial Sales)، وهي نظام "من شركة إلى شركة" لكن بشروط تراخيص وموافقات حكومية أمريكية مسبقة.

لنفترض أن مسار FMS هو الأصعب مقارنة بمسار DCS، لأن الأول يتعلق بمبيعات عسكرية، أما الثاني فيتعلق بمبيعات تجارية تكون عادة معلومة وموثقة في تقارير الشركات، وتقارير التجارة، وتقارير الجمارك.

فلنركّز إذن على المسار العسكري، أي مسار FMS، والذي له خط سير واضح وثابت:
يبدأ بـ خطاب الطلب (LOR)، ثم بيانات السعر، ثم خطاب العرض والقبول (LOA)، فـ قبول الطلب، ثم إبرام التعاقد، وأخيراً إغلاق الحالة.

ويعمل نظام FMS ببساطة وفق منهج "الصفقة الشاملة" (total package approach)، أي أنك لا تشتري قطعة سلاح فحسب، بل تحصل على حزمة متكاملة تشمل التنفيذ، والتسليم، والخدمات، والتدريب، والدعم الفني.
وهنا يمكنني أن أقول لك باختصار: سلِّم لي على فكرة تطوير صناعتك المحلية.

المرحلة الأطول تُسمّى Execution، وتُحدَّد مدّتها وفقًا لجدول التسليم، وبعد أن ينتهي كل شيء تكون مرحلة إغلاق العقد، وهي مرحلة تستغرق سنتين من تاريخ اكتمال التوريد أو تقديم الخدمة.

خُذ هذه النقطة المهمة: إنّ صفقات FMS يجب أن تتمّ دون أي تكلفة على الحكومة الأمريكية، فهناك ما يُسمّى FMS Administrative Surcharge (رسوم إدارية لاسترداد تكلفة الإدارة)، أي إنّ مصر مُلزَمة بأن تدفع للولايات المتحدة أي رسوم إضافية أنفقتها الحكومة الأمريكية على الصفقة.

إذًا، أين التصنيع المحلي في كل هذا؟
إنّ المنصّة التي يُدخَل السلاح من خلالها إلى مصر مُصمَّمة أساسًا لكي تمنحك تشغيلًا واستدامةً داخل منظومة توريد وقرار خارجية، لا لكي تمنحك توطينًا حقيقيًا للصناعة.

ولربط الموضوعات ببعضها: نحن نستورد سلاحًا من الولايات المتحدة بلغت قيمته حتى اليوم نحو 90 مليار دولار، وهذا الرقم يعادل قرابة 30 ضعفًا للإنفاق العسكري (الرسمي) لمصر؛ إنّه رقم ضخم للغاية.
لكن التسليح الذي تحصل عليه هو للاستخدام فحسب، ولا توجد أي فرصة حقيقية لأن تفعل كما فعلت دول أخرى طوّرت المشتريات التي حصلت عليها، فطبيعة العقد وشكل القوانين بينك وبين الولايات المتحدة هكذا.

وهذا الوضع مستمر منذ أكثر من خمسٍ وأربعين سنة كاملة، من دون أن يفكّر أحد في إحداث تغيير يكون في مصلحة مصر وصناعاتها الدفاعية المحلية.

حسنًا، لنكمل..
تقول القوانين إن هناك مراجعة مرحلية (Tiered review) تشمل تشاورًا ومراجعة مع لجان مجلس الشيوخ والنواب قبل الإخطار الرسمي، ثم يحدث الإخطار الرسمي.
حدود هذا الإخطار هي:

  • 14 مليون دولار: عندما تتعلق الصفقة بمعدات عسكرية رئيسية (Major Defense Equipment).

  • 50 مليون دولار: عندما تكون الصفقة عسكرية لكنها لا تشمل معدات رئيسية (Non-MDE).

  • 200 مليون دولار: عندما تكون الصفقة خاصة بمشروعات عسكرية إنشائية (MILCON).

  • 1 مليون دولار: عندما تكون الصفقة خاصة بالأسلحة الخفيفة عن طريق مبيعات تجارية مباشرة (Small Arms – DCS Only).

الآن أنت بحاجة إلى التركيز معي جيدًا، فإن هذا الكلام خطير جدًّا حقًّا..
معنى هذا الكلام أن المشتريات نفسها داخل نظام رقابة وموافقات وعتبات رقمية، وهذا وحده يخلق اعتمادًا سياسيًّا وإجرائيًّا طويل الأمد، ويمنع سردية السرية تمامًا وللأبد.
لماذا؟
لأن هذا الكلام يقول حاجتين مهمّتين جدًّا..
أول حاجة إن أي كلام عن صناعة سرية ضخمة هو كلام بلا معنى، لأن أي صفقة تسليح (وهي تشمل المعدات والمكونات) يجب أن تمرّ على مجلس الشيوخ والنواب الأمريكيّين، فصباح الخير على السرية المطلقة.. إلاّ لو كنت مقتنعًا بأن هناك سلاحًا تستطيع صنعه دون مكونات أمريكية..

النقطة الثانية والأخطر.. هي المصالح والأموال التي تمرّ مع هذه الصفقات لناس داخل البلاد وخارجها.. من يحدّد هذا الرقم؟ وإلى من يذهب؟ وما هي الهيئة في الدولة التي تراقب هذه العملية وتضمن عدم وجود أي شيء يضرّ بالأمن القومي للبلاد، أو يُصْرِفُ مليارات في جيوب ناس معيّنة؟

فنحن نتحدّث عن أن شكل الصفقات نفسه يخلق حالة اعتماد بنيويّة، لا مجرّد شراء سلاح.. أي أنّك لا تستورد قطعة معدنيّة أو نظامًا إلكترونيًّا فحسب.. بل تستورد قرار التشغيل.. وتستورد حقّ الوصول إلى الصيانة.. وتستورد الموافقة على تحديث البرمجيّات.. وتستورد الاستثناءات القانونيّة.. وكلّ ذلك مربوطٌ بخيوط سياسيّة وفنيّة معقّدة خارج بلدك.. هذا شكل القانون نفسه بينك وبينهم..

عندما تربط دولة مثل مصر منظومتها الدفاعيّة الأساسيّة بمسار واحد لا يشمل تعاقدات نقل معرفة حقيقيّة.. ولا بنود تعويضات (offsets) إلزاميّة واضحة توطِّن التكنولوجيّا.. ولا مرونة تعاقديّة تسمح لك بالبناء فوق ما اشتريته..
فأنت تتحوَّل تدريجيًّا من مستخدم للسلاح إلى زبون دائم داخل سلسلة توريد مغلقة.. وهذا يعني أنّ أيّ محاولة لبناء صناعة وطنيّة ستتصادَم فورًا مع قيود تعاقديّة وقانونيّة وسياسيّة.. لا مع مشكِّلَةِ تمويل أو مهارة بشريّة..

وبالتالي، فإنّ الحديث عن سريّة تصنيع محلّي واسع النطاق في ظلّ هذه المنظومة.. بل إنّ الحديث عن تصنيع محلّي جادٍّ حتّى لو لم يكن سرّيًّا.. هو خيالٌ وحلمٌ مستحيل التحقُّق بالوضع الحاليّ هذا.. يجب ولازمٌ أن يتغيَّر هذا الوضع أولاً وقبل أي شيء..

فالمشكلة ليست في أن مصر عاجزة تقنيًا، ولا في أن المهندسين قليلون، ولا في أن الدولة غير قادرة على المنافسة،
بل إن المشكلة ببساطة أن طبيعة علاقتنا بالسلاح أصبحت قائمة على التبعية، لا على الاستقلال.
والقوانين التي تنظم مشتريات السلاح لدينا كرّست، على مدى سنوات طويلة، هذا الشكل من التبعية، ولا أحد يتحدث في هذه النقطة، ولا هي مطروحة للنقاش أصلًا.

إن غياب الإرادة السياسية لتغيير شكل الصفقات، وفرض شروط حقيقية لنقل المعرفة، وبناء منظومة تشريعية واقتصادية تحمي الصناعة الوطنية، هو ما دمّر أي فرصة لبناء قاعدة دفاعية حقيقية.

فالصناعات الدفاعية تنشأ من قرار سيادي واعٍ بأن الأمن القومي لا يمكن استيراده، وأن السيادة هي سلسلة إنتاج، ومعرفة تراكمية، وقواعد بيانات، ومصانع تغذي مصانع، وشبكة توريد وطنية غير مرتبطة ببوابة تبعية خارجية.

وطالما أن هذا القرار غير موجود، فستظل كل الشعارات عن السرية مجرد ستار من الدخان يُخفي وراءه حقيقة واحدة: أننا اخترنا نموذجًا يضمن التسليح، لكنه لا يبني القوة، ويضع أمننا القومي في أيدي غيرنا.


مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع