البلغاريا نموذج مثير للدراسة، لأنها دولة اعترفت بأنها لن تكون فرنسا أو ألمانيا، ولا تركيا أو البرازيل أو كوريا الجنوبية في الدفاع التقليدي. لكنها ترى في نفسها إمكانية التواجد كـ niche إقليمي في مجالي الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب. اختارت استخدام الذكاء الاصطناعي كمدخل للصناعات الدفاعية، وهذا يعتبر نموذجاً ذكياً وغير تقليدي في رأيي. إنه مختلف عن فكرة تقليد نموذج ناجح ونقله كما هو، فهذه الفكرة غالباً ما تفشل.
لنتأمل بلغاريا أولاً كي ندرك ما الذي نتحدث عنه. بلغاريا بلد يقدر عدد سكانه بنحو 6.4 مليون نسمة، وهو عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. نسبة الإنفاق على البحث والتطوير من الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 0.8% فقط، وهذا يعتبر منخفضاً إذا قورِن بطموحات أوروبا. ومع ذلك، فإن ترتيبها العالمي في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2024 يقف في المركز 38، وهو مركز متقدم بالنظر إلى مواردها. لا أريد الاستشهاد بأمثلة من دول أخرى حتى لا يفسر الموضوع شخصياً، لكن المركز يعتبر جيداً جداً بالنسبة لبلغاريا، وهو أعلى من كثير من الدول التي تمتلك موارد وقدرات أعلى منها.
تاريخياً، تشتهر بلغاريا بقوة في الرياضيات وعلوم الحاسوب، وبالبرمجيات منخفضة التكلفة وعالية الجودة (وقد كانت قد تجاوزت روسيا في بعض الأزمنة). كما أنها تتميز بواحدة من أعلى نسب النساء العاملات في تكنولوجيا المعلومات داخل الاتحاد الأوروبي. هذا جزء من سرد البلغار حول قاعدة مواهبهم. لا أدري ما إذا كانت هذه المعلومة ستفيد، لكن الكلام بهذا الشكل يعزز التصور الأوروبي العام.
من ناحية الصناعة الدفاعية، تمتلك بلغاريا قاعدة صناعية متوسطة الحجم. يتركز نشاطها التقليدي على إنتاج الأسلحة الصغيرة والذخائر وبعض المركبات المدرعة (تقريباً مثل مصر). ميزانيتها الدفاعية صغيرة مقارنة بفرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا أو إيطاليا أو حتى تركيا.
لكن من المهم أن نركز على هذه النقطة تحديداً، لأن ما سأذكره الآن هو نتاج ما يقارب خمس سنوات فقط، وسنرى كيف حققت طفرة كبيرة في فترة قصيرة كهذه.
في ديسمبر من عام 2020، وضعت بلغاريا استراتيجية أعلنت من خلالها اعتماد "رؤية تطوير الذكاء الاصطناعي 2030". صدرت هذه الاستراتيجية عن الأكاديمية البلغارية للعلوم ووزارة النقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
والآن دعنا نعدّ المشاريع الناجحة التي خرجت عن هذه الرؤية، وسنتحدث عنها واحداً تلو الآخر بطريقة مبسطة وسريعة:
INSAIT
GATE
DIANA-NATO Test Center
BgGPT
EU AI Factory
تقوم هذه الاستراتيجية على عدة محاور رئيسية، وبدلاً من الخوض في تفاصيلها التقنية الدقيقة، يمكن القول إن جوهرها يرتكز على التعليم، والتدريب، والبحث العلمي، ودعم الابتكار والشركات الناشئة.
إذا تحدثنا عن أهم معهد في هذه المبادرة، فهو معهد INSAIT. دعنا نتأمل كيف أن معهداً تأسس منذ ثلاث سنوات فقط أصبح ينافس مؤسسات علمية أمريكية عريقة.
تأسس المعهد في عام 2021، وتم افتتاحه رسمياً في عام 2022 داخل جامعة صوفيا. عقد شراكات مع جامعتي ETH Zurich وEPFL اللتين تُعدان من أقوى الجامعات في أوروبا في مجالي علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. ويحظى بإشراف علمي من خبراء ينتمون إلى ETH وEPFL وIST Austria وMIT وUC Berkeley وYale وPrinceton.
يحصل المعهد على تمويل حكومي يبلغ نحو 85 مليون يورو على مدى عشر سنوات، إضافةً إلى مساهمات خاصة من شركات كبرى مثل Amazon Web Services وGoogle وDeepMind وSiteGround وVMware بقيمة 15 مليون دولار.
يقدّم المعهد منحاً دراسية لطلبة الدكتوراه بقيمة 36 ألف يورو سنوياً، وهو رقم ممتاز مقارنةً بتكاليف المعيشة في صوفيا، ويجعله منافساً حقيقياً لدول مثل ألمانيا وفرنسا. هذه الحوافز جذبت كفاءات مرموقة، من بينها الأستاذ Luc Van Gool، أحد أكثر الباحثين استشهاداً بأعمالهم في مجالي الرؤية الحاسوبية (CV) وتعلّم الآلة (ML) على مستوى العالم.
وقد تم قبول سبع أوراق بحثية من المعهد في مؤتمر CVPR 2025، وهو إنجاز يضعه في طليعة مؤسسات أوروبا الوسطى، متقدماً على العديد من دول الشرق الأوسط، ومقترباً من مؤسسات مرموقة مثل Caltech وKing’s College. وكل ذلك لمعهد لا يزيد عمره عن ثلاث سنوات فقط.
في عام 2022، اختار برنامج الناتو DIANA المعهد ليكون مركزاً لاختبارات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي. ويُعد ذلك دخولاً غير تقليدي لدولة صغيرة في مجال الصناعات الدفاعية، من خلال نموذج مختلف يعتمد على تكنولوجيا متخصصة واحدة تم تطويرها بسرعة لافتة.
طوّروا برنامج BgGPT، وهو نموذج لغوي محلي ضخم، ثم أتبعوه بإصدارٍ مطوّر هو BgGPT-Gemma-2، تم تدريبه خصيصاً على بيانات بلغارية. ويمكن وصفه بأنه بمثابة "شات جي بي تي وطني"، يُستخدم في مصلحة الضرائب، والسجل المدني، والشرطة، وغيرها من القطاعات الحساسة ذات الطبيعة الأمنية.
تضم بلغاريا حالياً نحو 90 شركة تعمل في مجال الذكاء الاصطناعي ولديها منتجات جاهزة مطروحة في السوق. وقد حصلت هذه الشركات على تمويل يبلغ حوالي 52.7 مليون يورو في عام 2024 فقط، بينما بلغت قيمة التمويل في عام 2023 نحو 101 مليون يورو.
وبذلك أصبحت بلغاريا، الدولة الصغيرة محدودة الموارد، تستحوذ على 8.4٪ من شركات الذكاء الاصطناعي العاملة في مجال التكنولوجيا المالية (FinTech) في منطقة آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.
كما أدخلت خبرتها في الذكاء الاصطناعي إلى مجالات متعددة، منها البريد، والشحن، والخدمات القانونية، والسجل المدني، والزراعة الآلية بواسطة الروبوتات، إضافة إلى خدمات الشرطة والتحقيقات، وغيرها من المجالات الحيوية.
من المهم الإشارة إلى أنّ تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الشركات البلغارية لا تزال عند مستوىٍ أدنى من المتوسط الأوروبي، إلا أنّ هناك تطوراً سريعاً وملحوظاً في هذا المجال.
يرجع نجاح هذه التجربة إلى اختيارٍ ذكي للموقع المناسب ضمن السلسلة التكنولوجية العالمية. فلم تقل بلغاريا "سنُنشئ كل شيء من رقاقة الحاسوب حتى السلاح"، بل قررت التركيز على مجال محدد، والسعي لأن تصبح متميزة فيه بدرجةٍ تجعل الدول الكبرى نفسها بحاجة إليها.
وهذا المنطق هو ذاته الذي تبنّته دول صغيرة أخرى استطاعت أن تتصدر العالم في مجالات دقيقة؛ مثل إستونيا في الحكومة الرقمية، وأيرلندا في البرمجيات، وتايوان في أشباه الموصلات.
جوهر الفكرة هو أنك لست مطالباً بالمنافسة في كل المجالات، بل بأن تُنشئ قيمة مضافة واضحة تجعلك عنصراً لا غنى عنه داخل أي منظومة صناعية أو دفاعية أكبر منك.
اختارت بلغاريا أن تعتمد على جامعاتها المحلية، وشراكاتها الأوروبية، وتكاليف المعيشة المنخفضة، فتمكّنت من بناء منظومة علمية تُنتج نتائج حقيقية ومتطورة ومطلوبة.
باختصار، فعلت بلغاريا أمرين اثنين. أولاً، لم تعتمد نموذجاً ناجحاً جاهزاً لتطبّقه لديها، لأن هذه الفكرة فاشلة. فهناك العديد من الدراسات التي تؤكد أن "المحلية" أو الـ Localization عنصر أساسي للنجاح، وأن على الدول أن تبني نموذجها الخاص الذي يتناسب مع ظروفها وثقافتها وقاعدتها الصناعية والمعرفية. وأبرز مثال على ذلك هو محاولات دول الخليج، على مدى سنوات طويلة، لإنشاء "وادي سيليكون خليجي"، وهي محاولات لم تنجح حتى اليوم.
أما الأمر الثاني، فهو إدراكها لأهمية الاستثمار في التعليم والبحث العلمي، فعملت على تطوير قدراتها بما يتناسب مع إمكانياتها، من دون أن تبني أحلاماً وردية يصعب تحقيقها.
وإذا أردنا أن نستخلص دروساً من هذه التجربة، فهي واضحة وبسيطة: الدول الصغيرة ليست مضطرةً لخوض سباق "من يملك أقوى دبابة أو أكبر مصنع طائرات"، بل يمكنها الدخول من باب المعرفة والتكنولوجيا الدقيقة، والبناء برؤية واضحة، وبذكاء، وبأقل تكلفة ممكنة.
السؤال الصحيح ليس "كيف نصبح مثل الدولة الفلانية؟"، بل "في أي مجال يمكننا نحن أن نكون متميزين وفقاً لإمكاناتنا وظروفنا؟". وعلى أساس الإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن تُبنى السياسات التعليمية والعلمية كافة، لأن النجاح لا يتطلب دائماً موارد ضخمة، بل يتطلب اختياراً صائباً وإرادة حقيقية للاستثمار في العقول قبل المصانع.
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع