info@archon-defense.com
آركون

داخل البلاط التركي.. كيف يُصنع رجال الدولة؟

4 أغسطس 2026
129 المشاهدات
10 دقيقة/دقائق للقراءة

أتابع الشأن التركي عن قرب وبشغف منذ سنوات، ويلح علي طوال هذه المتابعة سؤال واحد: كيف يُصنع رجال الدولة في تركيا؟ من أين يأتي الجالسون إلى طاولة مجلس الوزراء؟

ومع كل تعديل وزاري جديد كنت أعود إلى الملاحظة نفسها فأجدها قد ازدادت وضوحًا، قلّ أن تجد بين الوافدين الجدد سياسيًا جماهيريًا أو خطيبًا تعرفه الشاشات، الغالب على الكابينة، كما تُسمى في اللغة التركية، نموذج موظف قضى عمره داخل جهاز الدولة.

شغلتني هذه الملاحظة حتى جلست أتتبع مسارات الوزراء واحدًا واحدًا، من أولى حكومات أردوغان عام 2003 إلى تعديل فبراير الأخير، لأعرف متى بدأ النمط، ولماذا بدأ، وماذا يقول عن طبيعة الحكم نفسه.

والإجابة، كما سترى عزيزي القارئ الفضولي كما مُحدّثك كاتب المقال، أعمق من كل التفسيرات الجاهزة، فيها تعديل دستوري كان سبباً رئيساً في تغيير بوابة الوزارة نفسها، ومحاولة انقلاب غيرت سؤال التعيين، وكرسي وظيفي مستحدث تحول إلى غرفة انتظار أو مزرعة تنضج فيها أسماء وزراء المستقبل، إن جاز التشبيه.

لن أبدأ معك من بداية القصة، ليس لشيئ إلا لرغبتي أن أجذب انتباهك لأطول فترة ممكنه، وهذه مهمة صعبة، أعرف ذلك، بالتأكيد سمعت عن التعفن الدماغي وإدمان الدوبامين الذي أصابنا بسبب لعنة الريلز والمعلومات الكبسولية القصيرة. لكن هذا ليس موضوعنا الآن.

عودة إلى المقال، في منتصف ليل الحادي عشر من فبراير 2026، وبينما البلاد نائمة، نشرت الجريدة الرسمية التركية في عددها 33165 قرارين هادئين. الأول: وزير العدل طلب إعفاءه من منصبه وقُبل طلبه، وهي الصيغة الرسمية المهذبة التي تكتب بها أنقرة كلمة إقالة.

والثاني مثله عن وزير الداخلية. وفي السطور التالية للخبر: يُعيَّن رئيس النيابة العامة في إسطنبول وزيرًا للعدل، ويُعيَّن والي أرضروم وزيرًا للداخلية. لا مؤتمر صحفي، ولا تصويت في برلمان، ولا حملات ترميز، ولا وعود.

أخطر حقيبتين في الدولة انتقلتا إلى رجلين لم يخض أي منهما انتخابًا واحدًا في حياته، وصعدا إلى الطاولة كما يصعد الموظف في سلم وظيفته، بقرار رئاسي، منشور في جريدة، في منتصف الليل.

هذا المشهد الصغير يختصر أحد أعمق التحولات في الدولة التركية خلال ربع القرن الأخير، وهو بالتحديد موضوع هذا المقال، كيف يُصنع الوزير في تركيا؟ من أي مصنع يخرج؟ ولماذا اختفى السياسيون تدريجيًا من طاولة مجلس الوزراء؟

نستخدم في مصر وصف مطبخي دقيق لهذه الظاهرة، استوى على نار هادئة. الأكلة التي توضع على نار عالية تحترق من الخارج وتبقى نيئة من الداخل، أما الطباخ الصبور فيتركها ساعات على نار خفيفة حتى تنضج من داخلها.

البلاط التركي، وأقصد به المجمع الرئاسي في بيشتبه بلغة الصحافة التركية، صار يطبخ وزراءه بهذه الطريقة بالضبط، عقود كاملة داخل جهاز الدولة، درجة فوق درجة، تحت المراقبة وبعيدًا عن الأضواء، ثم تُرفع الأكلة في لحظة واحدة إلى المائدة.

والسؤال الذي يستحق التحليل: متى بدأ هذا النمط؟ ولماذا؟ وماذا يقول عن طبيعة الحكم نفسه؟

بوابة رجال الدولة


الإجابة دستورية قبل أن تكون ثقافة مؤسسية، فقبل 2018 كانت تركيا نظامًا برلمانيًا، والوزير يتم اختياره عمليًا من بين نواب البرلمان في الغالب الأعم.

كل طموح وزاري كان يمر إجباريًا تقريبًا من قوائم الحزب الانتخابية، حتى الأكاديمي والخبير المالي كانا يُرشَّحان نائبين أولًا: هكذا دخل الاقتصادي الدولي محمد شيمشك البرلمان عام 2007 قبل أن يتولى الاقتصاد ثم المالية، وهكذا احتاج أحمد داود أوغلو، أستاذ العلاقات الدولية وكبير مستشاري رئيس الوزراء، أن يدخل البرلمان عام 2011 بعد أن صار وزيرًا للخارجية.

الاستثناءات كانت نادرة تُحصى على أصابع اليد، أبرزها تعيين أفكان آلا وزيرًا للداخلية عام 2013 قادمًا من وكالة رئاسة الوزراء دون مقعد نيابي.

ثم جاءت لحظة التغيير، استحضر معي موسيقى حماسيه، فالتعديل الدستوري الذي أُقر في استفتاء 2017 وطُبق في يوليو 2018 هو أحد أهم محطات رحلتنا الفضولية داخل البلاط التركي.

صار الرئيس يعيّن الوزراء ويقيلهم مباشرة بموجب المادتين 104 و106، وصار الجمع بين الوزارة وعضوية البرلمان ممنوعًا دستورياً، النائب الذي يقبل الحقيبة تسقط نيابته في اللحظة نفسها.

بجرة قلم دستورية انفكت الرابطة التاريخية بين الوزارة وصندوق الاقتراع. لم يعد الوزير محتاجًا إلى شعبية ولا دائرة انتخابية ولا حتى وجه معروف، صار المطلوب ثلاثية مختلفة تمامًا، كفاءة تقنية، وولاء تم اختباره عبر السنين، وقابلية للإقالة الصامتة دون كلفة سياسية. البوابة الجديدة هذه هي التي فتحت الطريق أمام نمط النار الهادئة، والأرقام ستؤكد ذلك حالًا.

ستة طرق تصل إلى الطاولة


انظر إلى تشكيلة الحكومة القائمة في فبراير 2026 تجد أن رجالها جاؤوا عبر طرق وظيفية متمايزة، لكل طريق بدايته ومنطقه.

طريق الولاة أولها وأوضحها، فعلي يرلي كايا قضى نحو ثلاثين عامًا في الإدارة الإقليمية، قائمقام في أقضية الأناضول منذ التسعينيات، ثم والي أغري، ثم والي غازي عنتاب في سنوات أزمة اللجوء الملتهبة، ثم والي إسطنبول خمس سنوات، ثم وزيرًا للداخلية عام 2023.

وحين خرج في فبراير الماضي جاء خلفه مصطفى تشيفتشي والي أرضروم، ابن ثانوية الأئمة والخطباء في قونية وخريج المولكية، كما تُسمى في التركية، كلية العلوم السياسية العريقة في أنقرة التي تصنع الولاة والدبلوماسيين منذ العهد العثماني. تكرار حرفي للنموذج نفسه، وكأن وزارة الداخلية صارت آخر درجة في سلم سلك الولاة، لا منصبًا سياسيًا أصلًا.

ثم طريق الثكنة، فخلوصي أكار انتقل من رئاسة الأركان إلى وزارة الدفاع عام 2018، وكرر يشار غولر الانتقال نفسه عام 2023، حتى صار المسار رئيس أركان ثم وزير دفاع أقرب إلى تقليد مؤسسي منه إلى قرار فردي.

وطريق الاستخبارات ثالثها، وفيه الحالة الأنقى للفرضية كلها، هاكان فيدان، الذي بدأ ضابط صف في الجيش، وأكمل تعليمه أثناء الخدمة، وترأس وكالة التنسيق والتعاون (تيكا) ثم جهاز الاستخبارات ثلاثة عشر عامًا كاملة، قبل أن يخرج من الظل إلى وزارة الخارجية عام 2023.

رجل أمضى نحو سبعة وثلاثين عامًا في خدمة الدولة قبل أول منصب سياسي علني في حياته. نار هادئة جدًا، وطويلة جدًا.

طريق القضاء أحدثها ظهورًا وأكثرها حساسية، فالوزير أقين غورلك، قاضٍ منذ منتصف عشريناته، رئيس محكمة جزائية ثقيلة في إسطنبول، ثم نائب وزير العدل، ثم رئيس النيابة العامة في إسطنبول حيث قاد التحقيقات ضد بلدية المدينة المعارضة، ثم وزير للعدل في الرابعة والأربعين.

بالمناسبة، هذا الوزير تقرأ الحكومة تعيينه ككفاءة قضائية خالصة، وتقرؤه المعارضة مكافأة على دور قضائي في صراع سياسي، وسنعود إلى هذا الجدل، لكن الثابت خارج الجدل أن الرجل صعد السلم كله دون محطة انتخابية واحدة.

ثم طريق التكنوقراط القطاعي، فوزير الطاقة ألب أرسلان بايراقتار مهندس نضج داخل هيئة تنظيم سوق الطاقة ثم جلس نائبًا للوزير خمس سنوات. ووزير النقل عبد القادر أورال أوغلو قضى مسيرته في المديرية العامة للطرق حتى صار مديرها العام. ووزير البيئة مراد كوروم خرج من إدارة الإسكان الجماعي وذراعها العقارية.

وأخيرًا طريق القصر نفسه، محمد فاتح قاجر، مهندس صناعي، رغم عدم أهمية المعلومة لكنه نفس تخصصي الجامعي، من مؤسسي وقف شباب تركيا، جلس خمس سنوات نائبًا لوزير الصناعة ثم تسلم الحقيبة عام 2023 قبل أن يبلغ الأربعين.

قراءة بسيطة في هذه التشكيلة تُظهر أن نحو نصف الجالسين إلى الطاولة رجال جهاز دولة، استخبارات وجيش وولاة وقضاء وتكنوقراط، وأن النسبة تقارب ستة من كل عشرة إذا أضفنا الهجناء الأكاديميين البيروقراطيين مثل وزير الصحة كمال ميميش أوغلو، الجرّاح الذي أدار مديرية صحة إسطنبول ثماني سنوات قبل الحقيبة.

وفي المقابل، لم يبق في الحكومة كلها سوى وزير واحد من الطراز البرلماني التقليدي، في حقيبة الشباب والرياضة.

قبل عشر سنوات فقط كانت الصورة معكوسة بالكامل، الطريق الوحيد تقريبًا إلى الوزارة كان يمر من البرلمان. ولم يدخل الطاولة سياسي منتخب جديد منذ 2023، كل التعديلات الوزارية بعدها، في يوليو 2024 وفبراير 2026، جاءت من داخل الجهاز حصريًا، مدير صحة، ورئيس نيابة، ووالٍ.

مقعد نائب الوزير كغرفة انتظار


أكثر ما لفتني وأنا أتتبع هذه المسارات أن النار الهادئة لم تعد عُرفًا فقط، بل صارت مؤسسة لها اسم ودرجة وظيفية. منصب نائب الوزير، المستحدث في هيكل ما بعد 2018، تحوّل عمليًا إلى دكة إعداد رسمية للوزراء، أربعة على الأقل من وزراء الحكومة الحالية جلسوا عليه قبل الحقيبة، من بايراقتار وقاجر إلى وزير الزراعة إبراهيم يوماقلي وغورلك نفسه.

يوماقلي هذا نموذج فذ للهجين الحديث، خريج ثانوية أئمة وخطباء، عمل في شركات دهانات متعددة الجنسيات، ثم إدارة قناة تلفزيونية، ثم مديرًا عامًا لشركة أسمدة شبه حكومية ست سنوات، ثم نائب وزير أربعة عشر شهرًا، ثم وزير. الحدود بين القطاع الخاص القريب من الدولة وجهاز الدولة نفسه صارت متداخله، والشركات العامة والإعلام الرسمي محطات تأهيل مشروعة نحو طاولة الوزراء.

ولماذا هذا الإصرار على الطبخ البطيء؟

التفسير الأقرب إليّ هو تفسير أمني. بعد صدمة محاولة الانقلاب في يوليو 2016، تغير سؤال التعيين في أنقرة من هل هو كفء؟ إلى سؤال مزدوج، هل هو كفء، وأين كان وماذا فعل حين اهتزت الدولة؟. الصعود البطيء داخل الجهاز يتيح بالضبط ما لا يتيحه أي اختبار آخر، مراقبة الولاء عبر الزمن، في المنعطفات والأزمات، قبل تسليم مفاتيح الوزارة. النار الهادئة اختبار أمني ممتد قبل أن تكون تأهيلًا إداريًا.

الاستثناءات، والصهر الذي احترق


قد تسأل، وماذا عن الوزراء الذين لا ينطبق عليهم النمط؟
الجواب أن البلاط حين يخرج عن قاعدته يخرج لغرض ما. محمد شيمشك أُعيد إلى الخزانة في يونيو 2023 بعد خمس سنوات خارج الحكم، لأن سيرته في المصارف الدولية هي نفسها رسالة الطمأنة التي احتاجتها الأسواق بعد سنوات التجربة النقدية غير التقليدية، البلاط يحتفظ بتكنوقراطه في الثلاجة ويعيد تسخينهم عند الأزمات.

ووزير السياحة محمد نوري إرسوي مالك مجموعة سياحية كبرى، تعيينه من باب صاحب القطاع أولى بقطاعه.

ووزيرة الأسرة ماهينور غوكتاش، المرأة الوحيدة في الحكومة منذ 2023، مولودة في بروكسل وكانت أول نائبة محجبة في برلمان أوروبي، وفُصلت من حزبها البلجيكي لرفضها التصويت على الاعتراف بالإبادة الأرمنية فاحتضنتها أنقرة سفيرةً ثم وزيرة، تعيينها مكافأة ولاء رمزي عابر للحدود بقدر ما هو تمثيل.

وفي المقابل يقف الشاهد المعاكس الذي يثبت القاعدة بالنفي، برات ألبيرق، صهر الرئيس والمدير التنفيذي الشاب لمجموعة اقتصادية كبرى، قفز إلى وزارة الطاقة ثم الخزانة دون أن يستوي يومًا واحدًا داخل الجهاز المالي للدولة، فانتهت تجربته في نوفمبر 2020 باستقالة مفاجئة عبر إنستغرام وسط أزمة عملة.

رأس المال العائلي لم يعوّض النضج المؤسسي، ومن طُبخ على نار عالية احترق. وبعده عاد البلاط مباشرة إلى رجال الدولة.

وقبل ألبيرق كان درس داود أوغلو قد رسم السقف من الجهة الأخرى، الأكاديمي اللامع الذي صعد من الاستشارية إلى الخارجية إلى رئاسة الحكومة، ثم أُقصي في ربيع 2016 حين بدا أنه ينازع صاحب البلاط مكانته. سقف كل مسار داخل البلاط، مهما علا، أن يظل تحت صاحبه.

احتراف دولة أم إفراغ للسياسة؟


من هذا كله يتضح أن ما جرى ليس تراكم مصادفات تعيين، إنه سياسة كوادر مكتملة الأركان، بوابة دستورية فصلت الوزارة عن الانتخاب، وسلالم صعود قطاعية داخل الجهاز، وغرفة انتظار اسمها مقعد نائب الوزير، واختبار ولاء ممتد بالسنوات، وصيغة إقالة مهذبة تجعل تغيير الوزير أسهل من تغيير مدير عام.

والوزارة في هذا الترتيب لم تعد جائزة نهاية مسيرة سياسية، بل ترقية داخل مسيرة وظيفية.

ولهذا لنمط قراءتان متعارضتان، وكلتاهما تمسك بطرف حقيقي. قراءة الاحتراف تقول أن هذه دولة أغلقت الباب أمام الهواة، فلم يعد يصل إلى إدارة الطاقة إلا مهندس طاقة، ولا إلى الداخلية إلا من حكم الولايات ثلاثين عامًا، ولا إلى الدفاع إلا رئيس أركان، وأي إدارة حديثة تتمنى كوادر بهذا النضج.

وقراءة الشخصنة تقول أن وزير بلا قاعدة انتخابية هو وزير كامل التبعية، قوته كلها مستمدة من ثقة رجل واحد، وإقالته لا تكلف النظام صوتًا واحدًا، والنتيجة إفراغ الوزارة من السياسة وتحويلها إلى أمانة سر موسعة.

ويبقى بين القراءتين سؤالان معلقان لا يملك النمط إجابة عنهما، من يحاسب وزيرًا لم ينتخبه أحد؟ وماذا يتبقى من حياد الجهاز الإداري والقضائي حين تصير قممه مقاعد في البلاط؟ حالة غورلك، بروايتيها الحكومية والمعارضة، ستظل مثال هذا السؤال الثاني لسنوات.

حكمة على باب البلاط


لنرجع إلى منتصف ليل الحادي عشر من فبراير، القرار الصامت في الجريدة الرسمية لم يكن حدثًا استثنائياً، كان النظام يعمل كما صُمم بالضبط. وصارت قاعدة الوصول إلى الطاولة في أنقرة تُكتب هكذا: قبل 2018 كان الطريق إلى الوزارة يمر من صندوق الاقتراع عبر الحزب، بعده صار يمر من ممرات أجهزة الدولة.

من لم يستوِ على نار الدولة الهادئة، واليًا أو قاضيًا أو ضابطًا أو نائب وزير، أو لم يحمل خبرة يحتاجها البلاط من سوق أو جامعة، فلن يجلس إلى المائدة. أما إن جلس على النار العالية، فليسأل الصهر الذي استقال عبر إنستغرام عمّا يفعله اللهب بمن يستعجل النضج.

مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع