دعنا نتحدث عن دولة ذات اهتمام كبير للغاية.. دولة لديها عجز مالي يقارب 40 مليار دولار في عام 2026.. ومتوقع استمرار نفس العجز في عام 2027.. ثم صعوده إلى 42 مليار دولار في عام 2028.. ورغم ذلك تُجري مشتريات دفاعية بأرقام ضخمة.. أرقام تفوق بها دولاً مثل إيطاليا وبولندا.. وإذا نظرنا إلى تسليحها سنجد تركيبة غريبة جداً ومثيرة للانتباه من أنظمة روسية مع ذخيرة صينية ومعها دفاع جوي جنوب أفريقي..
الجزائر..
ما يجب أن نفهمه قبل أن نلقي نظرة على الأرقام هو أن الجيش في الجزائر ليس مجرد مؤسسة عسكرية.. بل هو جزء أساسي من النظام السياسي نفسه.. تاريخ الجزائر منذ الاستقلال مليء بلحظات كان فيها العسكريون هم القوة الحاكمة الفعلية أو على الأقل الضامن الأخير لاستمرار النظام..
ومع وجود منافس إقليمي مباشر مثل المغرب (وقد قُطعت العلاقات منذ عام 2021)، أصبح للإنفاق العسكري بعد داخلي وآخر خارجي في الوقت نفسه.. أي أن السلاح هنا ليس مجرد وسيلة للردع الاستراتيجي، بل هو أيضاً وسيلة لشراء الاستقرار الداخلي وتثبيت التحالفات داخل النخبة الحاكمة..
المغرب بالنسبة إلى الجزائر ليس مجرد جار.. بل يمكن النظر إليه كمرآة عسكرية وسياسية للجزائر.. فأي صفقة سلاح تُبرمها الجزائر تُفسَّر في المغرب على أنها نية للردع ضدها.. والعكس صحيح.. خصوصاً مع بقاء ملف الصحراء الغربية مفتوحاً دون حل نهائي..
وقد خلق ذلك نوعاً من ديناميكية سباق تسلّح صامتة.. ترفع الجزائر قدراتها الجوية والدفاعية.. فيبدأ المغرب التفكير في تعزيز قدراته في مجال الطائرات من دون طيار، والدفاع الجوي، والتسليح الأمريكي.. حتى وإن كان جزء من هذا لا يزال في إطار النقاش.. وهذا يضعنا أمام حلقة مفرغة بطبيعتها.. بمجرد دخولها تجد نفسك مجبراً على الاستمرار فيها حتى وإن كان الطرفان يخسران.. وقد شرحت ذلك سابقاً في فيديو بعنوان علاقة الحرب بالدجاجة..
لقد ضاعفت الجزائر إنفاقها الدفاعي كنسبة من الناتج المحلي من نحو 4% في عام 2022 إلى ما يقارب 9% في عام 2025.. وهذا إنفاق يفوق إنفاق روسيا نفسها في وقت الحرب، حيث تنفق حوالي 7.2٪ من ناتجها المحلي على الدفاع..
بلغت ميزانية الدفاع نحو 25 مليار دولار في عام 2025، بعدما كانت قبل ذلك 21 مليار دولار، ولا يوجد أي مؤشر على أنها ستنخفض قريباً.
وإذا حُسبت وفقاً لمنطق القوة الشرائية (PPP)، فإن هذا الإنفاق الدفاعي يعادل نحو 75 مليار دولار في القدرة الشرائية المحلية، وهو الرقم الذي يضع الجزائر في مستوى شراء أعلى من دول مثل إيطاليا وبولندا مثلاً.
حسناً، فلنلقِ نظرةً على الجيش الجزائري..
يضم الجيش حوالي 110 آلاف مجند، ونحو 1500 دبابة، و1000 مركبة قتال مشاة (IFV)، وأكثر من 1000 ناقلة جنود مدرعة (APC)، و180 راجمة صواريخ، وأكثر من 600 قطعة مدفعية.
أما الدبابة الأساسية في الخدمة فهي T‑90SA، وتعمل إلى جانبها نسخ محدّثة من T‑72. المثير للاهتمام أن هناك ما يقارب 270 دبابة T‑55 قديمة لا تزال في الخدمة، لكنها أصبحت تُستخدم حالياً في أدوار الإسناد الناري، أي أنها لم تعد جزءاً من قوات الدبابات الحديثة.
سنلاحظ من هذا الكلام أن الجزائر لديها ميل واضح لشراء أو على الأقل تفضيل تصميمات روسية متخصصة وغريبة نوعاً ما مقارنة بخطوط التسليح التقليدية في باقي الدول، مثل TOS‑1A وBMPT Terminator، وهي بالمناسبة ليست أنظمة شائعة حتى بين الزبائن التقليديين للسلاح الروسي.
وهذا يعطي انطباعاً بأن التفكير العسكري الجزائري لا يقتصر على مجرد استعراض القوة، بل يركّز على تجهيز قوات قادرة على فرض نيران كثيفة في اشتباكات برية معقّدة. أي أننا أمام جيش يفكر في سيناريوهات قتال بين قوات نظامية، وليس فقط في مهام مكافحة التمرّد.
الجزائر ليست مجرد زبون مهم للسلاح، بل لديها أيضاً ابتكارات محلية يجدر بنا الحديث عنها.
من الأمور المثيرة للاهتمام أنهم بدأوا بتحويل هياكل دبابات قديمة مثل T‑62 إلى مدرعات دعم ناري ومركبات هندسية، وقد ثُبّت على بعضها برج BMP‑2 Berezhok المزوّد بمدفع عيار 30 ملم، وقاذفات قنابل، وصواريخ مضادة للدروع.
وهذا يعني أن هناك تفكيراً عملياً قائماً على مبدأ الاستفادة القصوى من الموارد، فبدلاً من أن تُترك المعدات القديمة في المخازن، يتم إعادة توظيفها بأقل تكلفة لزيادة الكثافة النيرانية على الأرض.
ورغم أن روسيا تُعَدّ المورد الأساسي، فإن التنوع في الموردين موجود وليس بالأمر البسيط.
فعلى سبيل المثال، لدى الجزائر ناقلات Fuchs الألمانية، ويبلغ عددها حوالي 600 ناقلة، وتشير بعض المصادر إلى وجود اتفاق لتجميعها أو تصنيعها محلياً بالتعاون مع شركة Rheinmetall، مع شرط واضح يقضي بعدم إعادة البيع، أي أن ما يتم تجميعه داخل الجزائر يبقى مخصصاً للقوات الجزائرية فقط، وليس للتصدير.
وفي مجال المدفعية، نرى مزيجاً يجمع بين التراث السوفييتي القديم والأنظمة الصينية الحديثة عيار 155 ملم.
أما البحرية الجزائرية فتضم فرقاطات ألمانية بتسليح هجين؛ صواريخ سويدية، ودفاعاً جوياً جنوب أفريقياً، وسفناً صينية مزودة برادارات أوروبية.
أما الدفاع الجوي، فهو ملف مختلف تماماً.
فالمنظومة الجزائرية تُعدّ ثقيلة للغاية، إذ تشمل أنظمة S‑300، وBuk، وTor، وOsa، وStrela، بالإضافة إلى منظومات Pantsir بنسخة مطوّرة وصلت إلى الجزائر قبل أن تدخل الخدمة في روسيا نفسها.
وظهور منظومة S‑400 فوق كل ذلك يعني أن المجال الجوي الجزائري يُعَدّ واحداً من أكثر المجالات الجوية حراسة في إفريقيا، بل وربما في منطقة البحر المتوسط بأكملها.
تُعَدّ الجزائر من الدول القليلة جداً على مستوى العالم التي تمتلك صواريخ باليستية تكتيكية حديثة من طراز Iskander، وتبلغ النسخة التصديرية منها مدى يقارب 280 كيلومتراً، وتشير التقديرات إلى امتلاك الجزائر ما لا يقل عن 12 منصة إطلاق وقرابة 75 صاروخاً.
أما البحرية الجزائرية، فتمتلك قدرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى من تحت سطح البحر، إذ إن غواصات Kilo المطوّرة قادرة على إطلاق صواريخ Klub‑S الجوالة، ما يفتح الباب أمام تنفيذ ضربات دقيقة خارج نطاق السواحل.
وعلى الرغم من أن الجزائر ليست قوة إنزال بحري كبرى، فإنها تمتلك قدرة على القيام بعمليات إنزال محدودة. فهي تمتلك سفينة برمائية إيطالية من طراز San Giorgio دخلت الخدمة عام 2015، إضافة إلى سفينتين أقدم منها، وتستطيع هذه السفن نقل قوة بحجم كتيبة تضم دبابات ومركبات دعم قتالي.
القوة الجوية تُعَدّ العمود الفقري للجيش الجزائري، إذ تمتلك حوالي ستين طائرة Su‑30، إلى جانب قدرات قوية جداً في مجال التزود بالوقود جواً، بفضل امتلاكها ست طائرات Il‑78، وهو عدد يفوق ما تمتلكه بعض الدول الأوروبية الكبرى. كما أن قدرات النقل الجوي لديها متنوعة بين طائرات Il‑76 الروسية وC‑130 الأمريكية.
في عام 2024، أعلنت روسيا أن أول عقد تصدير لطائرة Su‑57E قد تم توقيعه مع الجزائر، وتشير التقارير الجزائرية إلى وجود تدريبات للطيارين وتسليم محتمل للطائرات في نهاية عام 2025. وإذا تحقق ذلك فعلاً، فستكون الجزائر أول دولة إفريقية تمتلك مقاتلة من الجيل الخامس.
وبالمناسبة، ظهرت مؤشرات تفيد بأن طائرات Su‑35، التي كانت مخصصة لمصر قبل أن تُلغى الصفقة، قد وصلت إلى الجزائر. وتستند هذه التقارير إلى صور أقمار صناعية ومؤشرات من سلاح الجو الجزائري نفسه.
ومع كل ذلك، يبقى السؤال المطروح: أين تكمن المشكلة الأساسية للجزائر؟
الإجابة هي كلمة واحدة: الاستدامة..
الجزائر يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي الاسمي نحو 288 مليار دولار في عام 2025، بينما تصل قيمته على أساس القوة الشرائية إلى 874 مليار دولار. وعندما يكون مصدر التمويل الأساسي هو عائدات الطاقة، ومع وجود نسبة بطالة بين الشباب تبلغ حوالي 30٪، فإن الإنفاق الدفاعي المرتفع جداً يتحول إلى رهان مفتوح على أسعار الغاز والنفط.
أي اهتزاز قوي في هذه الأسعار يمكن أن يخلق فجوة بين حجم الجيش وقدرة الاقتصاد على الصيانة والتشغيل والتحديث المستمر. وحينها، لا يكون الخطر في أن يضعف الجيش فحسب، بل في أن يتحول إلى أسطول متقدم شكلاً، مكلفٍ تشغيلًا، وصعبٍ سياسياً على أي حكومة أن تقلصه.
ومعظم هذا الإنفاق يتسرب إلى الخارج لأن التصنيع المحلي لا يزال محدوداً. فالدول التي تبني صناعتها الدفاعية تستعيد جزءاً من الأموال في شكل وظائف وخبرة وتكنولوجيا، بينما الجزائر حتى الآن تدفع فاتورة تسليح ثقيل دون مكاسب صناعية مكافئة. وهذا يعني ببساطة أن كل دورة تحديث يجب أن تُموَّل من جديد وبالعملة الصعبة، مع خطر التعرض للعقوبات أو القيود أو تعطّل الإمدادات.
ولا يمكننا تجاهل نقطة أخرى شديدة الحساسية.. وهي أن روسيا نفسها في حالة حرب، وأي طائرة أو نظام متقدم تصدّره إلى الجزائر هو نظام لا يدخل إلى مخازن الجيش الروسي الذي يمتلك احتياجات ضخمة. وهذا يعني وجود مخاطرة في التأخير بالتسليم، أو احتمال أن تتقدّم الأولويات الروسية الداخلية فجأة على حساب الزبون. ومن ثمّ، فإن تنويع مصادر التسليح في المستقبل ليس رفاهية، بل ضرورة استراتيجية.
اللافت للنظر أن الجزائر لم تدخل عام 2022 كجيشٍ ضعيف يحتاج إلى تطوير عاجل، بل كانت بالفعل واحدة من أكثر الجيوش تجهيزاً في إفريقيا: دبابات حديثة، ودفاع جوي متعدد الطبقات، وغواصات Kilo مسلحة بصواريخ كروز، وسلاح جو قوي بمدى ممتد بفضل قدرات التزود بالوقود جواً.
إذن، ما حدث بعد عام 2022 لم يكن بداية تسليح، بل تسريعاً لوتيرة كانت عالية بالفعل، تسريعاً أقرب في سرعته إلى منطق اقتصاد حرب في زمن سلم.
ولهذا، يبقى السؤال الصعب الذي تحتاج الجزائر إلى إجابته:
هل يستطيع الاقتصاد الاستمرار في هذا النهج؟ أم أن لحظة ما ستأتي حين تصبح الالتزامات أكبر من القدرة على التحمّل؟ وما هي الخطة حينها؟
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع