يوم الثلاثاء 9 مايو 2023.. عمران خان رئيس وزراء باكستان وقتها.. صاحب الشعبية الجارفة إلى الآن.. دخل محكمة إسلام آباد العليا لجلَسة محاكمة مرتبطة بملف فساد وكسب غير مشروع في قضية معروفة وقتها باسم Al-Qadir Trust.. من المفترض أنها جلسة عادية للتحقيق وذهب عمران خان بإرادته ولم يكن موقوفاً قبلها..
فجأة تدخلت قوات شبه عسكرية من Pakistan Rangers.. تقتحم المحكمة.. وتكسر الباب وتأخذ عمران خان لتضعه في احتجاز خاص بهيئة المحاسبة الوطنية NAB .. لتعقد سلسلة من المحاكمات المستمرة حتى اليوم.. صدر حكم ضده وضد زوجته بالسجن 17 سنة في قضية هدايا الدولة.. ولا تزال هناك محاكمات أخرى مستمرة..
أول مرة سمعت عن هذه القصة كان من صديق باكستاني يكره عمران خان كراهة غير طبيعية.. لكن الإنصاف عزيز.. فرغم كرهه العميق لعمران خان إلى درجة لا يذكر فيها اسمه إلا مصحوباً بشتائم لا أستطيع كتابتها هنا.. إلا أنه قال لي أكثر من مرة إنه يعرف ومتأكد بأن الموضوع ليس له علاقة بقضايا فساد.. لأن من يحاسبونه على الفساد لديهم قضايا فساد أكبر أضعافاً مما يحاسبون عمران خان عليه..
ما حدث مع عمران خان يفتح لنا الباب للدخول إلى عالم مختلف تماماً عن عالمنا.. عالمٍ يكون فيه الجيش ليس مؤسسة أمنية فحسب، بل لاعباً اقتصادياً يمتلك اقتصاداً موازياً لاقتصاد الدولة نفسها.. يمتلك مؤسسات ترفيهية وشركات إنشاءات ومصانع مدنية وأراضي هي في الأصل مملوكة للدولة.. لكن الدولة لا تعرف عنها شيئاً..
والمثير أكثر أن هناك تطوراً في آليات هذا الكيان.. تطوراً يقرب الأمن من السوق إلى درجة تجعل الفارق بينهما يذوب تماماً، فلا يمكنك التفرقة بين ما هو أمني وما هو اقتصادي..
يوجد نظام معروف في باكستان باسم Milbus، وهو مصطلح تحدثت عنه الباحثة عائشة صديّقة، مؤلفة كتاب Military Inc.، ويعني هذا المصطلح رأس مال مخصصاً لصالح المؤسسة العسكرية، غير مسجل رسمياً، وليس جزءاً من ميزانية الدفاع، وبالتالي مساحة المحاسبة عليه أضعف..
المثير أن معظم هذه الإمبراطورية الاقتصادية التي نتحدث عنها كانت بدايتها مؤسسات رعاية اجتماعية للضباط المتقاعدين.. ومع الوقت تحولت إلى إمبراطوريات اقتصادية تقدر قيمتها بالمليارات.. مندمجة في السوق المدني.. ولا أحد يستطيع محاسبتها أو مساءلتها عن موارد الدولة التي تقع تحت أيديهم وتصرفهم..
سنتحدث عن Fauji Foundation وArmy Welfare Trust وSIFC.. وسنفهم ما الذي تفعله هذه المؤسسات تحديداً في الاقتصاد الباكستاني..
مؤسسة Fauji هي العمود الفقري لهذه الإمبراطورية الاقتصادية التي نتحدث عنها.. كانت في الأصل صندوق رعاية خيرية (وأكاد أتمالك نفسي بصعوبة عن إطلاق تعليق ساخر هنا).. تأسست سنة 1952 برأس مال متواضع لدعم قدامى المحاربين.. واليوم أصبحت أكبر مجموعة تجارية في باكستان.. بصافي ثروة يبلغ تقريباً 5.9 مليار دولار في عام 2025.. ولديها شركات في قطاعات عديدة منها الأسمدة، الأسمنت، الأغذية، توليد الطاقة، والخدمات المصرفية.. بل يمتلكون بنكاً يُعرف باسم Askari Bank..
تُعدّ هذه المؤسسة ببساطة آلة عملاقة لصنع المال لصالح الجيش الباكستاني.. ولكنها رسمياً تقول إنها توجه نحو 80٪ من أرباحها إلى أعمال الخير والرعاية الاجتماعية.. أي إن كل هذا النجاح يأتي من نسبة 20٪ فقط من أرباحها، إذا أخذنا بكلامهم عن أنفسهم.. بينما يؤكد المحللون والخبراء الاقتصاديون أن النسبة الحقيقية المخصصة لأعمال الخير والرعاية الاجتماعية لا تتجاوز في الواقع 5٪..
تستفيد هذه المؤسسة من إعفاءات ضريبية، ومن عقود حكومية رسمية، وبالتالي تؤثر تأثيراً كبيراً في القطاع الخاص والمنافسة داخل السوق الباكستاني..
والآن، دعونا ننتقل إلى المؤسسة الثانية، وهي صندوق رعاية الجيش Army Welfare Trust، وهو صندوق تأسس عام 1971.. وباختصار، يُعد محفظة متنوعة تضم أكثر من 24 شركة تجارية تعمل في قطاعات الطيران، والتأمين، والعقارات، والبنوك، والزراعة.. وله نفوذ واسع في السوق والحكومة سواء من خلال المؤسسات أو الأفراد..
وهناك مؤسسة أخرى مهمة، وهي سلطة الإسكان الدفاعي (Defence Housing Authority - DHA).. وهذه باختصار أكبر مطور عقاري في باكستان بأسرها.. تمتلك مساحات هائلة من الأراضي الباكستانية في جميع المدن دون استثناء.. وتستفيد من حصولها على الأراضي بأسعار متدنية جداً من الدولة، ثم تعيد بيعها بأسعار مرتفعة، محققةً أرباحاً ضخمة لم يتمكن أي محلل أو تقرير من تقديرها بدقة حتى الآن..
ارتبط اسم هذه المؤسسة في باكستان بقضايا فساد وتربح غير مشروع.. لكنها لا تتعرض للمساءلة القانونية..
هناك مؤسسات أخرى مثل Bahria Foundation وShaheen Foundation، إحداهما تابعة للقوات البحرية والأخرى تابعة للقوات الجوية.. وكل واحدة منهما تمتلك مشروعاتها وشركاتها الخاصة، بالمنطق نفسه الذي تحدثنا عنه سابقاً..
أي إن المسألة تجاوزت مؤسسات الجيش ككل، وأصبحت على مستوى كل فرع من فروع القوات المسلحة داخل الجيش نفسه..
والآن لننتقل إلى الابتكار الجديد: مجلس تسهيل الاستثمار والمزارع العملاقة (SIFC).. وهو مجلس جديد تأسس في يونيو 2023.. قائد الجيش الباكستاني هو العضو الرئيسي في هذا المجلس.. وهدفه أن يكون نافذة واحدة لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى باكستان، خصوصاً من دول الخليج، ولا سيما في قطاعات الزراعة، والتعدين، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات..
يمتلك هذا المجلس سلطة منح الإعفاءات لأي مستثمر، كما يتمتع بحصانات من المساءلة والعقاب..
خذ مثالاً واحداً من برامج هذا المجلس لتدرك عمّ نتحدث.. فقد أطلقوا مبادرة تُعرف باسم مبادرة باكستان الخضراء (Green Pakistan Initiative)، وهدفها تطوير الزراعة التجارية على ملايين الأفدنة.. فما الذي يفعلونه تحديداً؟
ينقلون ملكية الأراضي إلى الحكومة من المزارعين الباكستانيين.. أي إن المزارعين الذين يزرعون أراضيهم منذ مئات السنين أصبحوا الآن مجبرين على نقل ملكية أراضيهم إلى شركة عسكرية جديدة تُدعى Green Corporate Initiative Pvt. Ltd، وهذه الشركة تؤجر تلك الأراضي للمستثمرين الخليجيين والمحليين في صفقات طويلة الأجل..
يُتَّهَم هذا المشروع بأنه يضرّ بحقوق الأراضي، والأمن المائي، والأمن الغذائي في باكستان.. كما يُقال إنه يفضل الإنتاج الزراعي التصديري دون أن يغطي الاحتياجات الأساسية للسوق الباكستاني المحلي..
وإذا حاولنا وضع هذه الإمبراطورية الاقتصادية ضمن إطار رقمي واضح، فسنجد أن مؤسسة Fauji Foundation وحدها بلغت قيمتها السوقية نحو 5.9 مليارات دولار عام 2025، لتصبح أكبر مجموعة تجارية في باكستان..
وفي تقدير كلاسيكي قدّمته الباحثة عائشة صِدِّيقة عام 2007 في كتابها Military Inc.، كان حجم ما يُعرف بـ Milbus لا يقل عن 20 مليار دولار في ذلك الوقت، قبل أن يتضخم لاحقاً بشكل أكبر بكثير..
أما على مستوى الأراضي، فهناك تقديرات بحثية تشير إلى أن نحو 12٪ من أراضي باكستان تقع بشكل مباشر أو غير مباشر تحت سيطرة الجيش..
وتتضخم هذه الإمبراطورية عاماً بعد عام.. ففي ميزانية 2024–2025 بلغت قيمتها 2.13 تريليون روبية، ثم ارتفعت في عام 2025 إلى نحو 2.55 تريليون روبية، أي بزيادة تقارب 20٪..
ولكي ندرك حجم هذا الرقم، يكفي أن نعرف أن باكستان تنفق على التعليم 2٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الصحة 1.3٪ فقط.. بينما بلغ معدل التضخم 38٪، ويعيش أكثر من 100 مليون مواطن تحت خط الفقر..
كل المنظومة التي تحدثنا عنها تقوم بشيء واحد.. إلحاق ضرر عميق بالاقتصاد كله، وبالمنافسة العادلة، وبالقطاع الخاص.. والأرقام هي التي تتحدث هنا، لا أنا.. فقد انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI) في باكستان بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، والمستثمرون يصرحون بأنهم لا يريدون دخول السوق الباكستاني بسبب غياب الشفافية والتدخل المباشر من المؤسسة العسكرية في المفاوضات التجارية..
وقد وصل الأمر إلى أن بعض المستثمرين الأجانب قد اشتكوا باكستان دولياً، مؤكدين أنهم تعرضوا للترهيب المباشر لإجبارهم على إعادة التفاوض بشأن عقود داخل منشآت عسكرية باكستانية..
هذه الأرقام وحدها تكشف مفارقة مخيفة.. موارد هائلة تُوجَّه إلى المؤسسة العسكرية وأذرعها التجارية، وفي المقابل يختنق قطاعا التعليم والصحة حرفياً من نقص التمويل.. وهذا النزيف مستمر منذ زمن طويل..
فهناك تقديرات بحثية تشير إلى أن مساحة الأراضي التي حصل عليها كبار الضباط بين عامي 1985 و2005 فقط بلغت أكثر من نصف مليون فدان.. وهو مؤشر على حجم الثروة التي تراكمت لدى نخبة صغيرة جداً داخل المنظومة العسكرية، في بلد يكافح فيه الملايين حرفياً فقط من أجل البقاء على قيد الحياة..
ظهرت تسريبات تُعرف باسم Pandora Papers عام 2021، وفتحت باباً واسعاً على الوجه الخفي للاقتصاد العسكري الباكستاني.. حيث ظهرت في هذه التسريبات أسماء كبيرة، من بينها:
اللواء عاصم سليم باجوا، وقد كشفت التقارير عن استثمارات بملايين الدولارات داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
اللواء شفاعت الله شاه، وتبيّن امتلاكه عقارات فاخرة في لندن.
السؤال الذي يطرحه أي عقل طبيعي هو: كيف يمكن لضابط حكومي يتقاضى راتباً حكومياً أن يصل إلى ثروة بهذا الحجم؟
وطالما لا توجد شفافية ولا رقابة حقيقية، فإن الإجابات – كالمعتاد – ستكون أن هذه "معلومات سرية" أو "قضايا تتعلق بالأمن القومي الباكستاني"..
وهنا تظهر المفارقة الكبرى والأخطر على الإطلاق في كل ما ذُكر أعلاه.. فكل هذه الثروة، وكل هذه الإمبراطورية الاقتصادية، لم تُترجم إلى قوة عسكرية حقيقية أفضل..
فالتقارير تتحدث، مثلاً، عن أن البحرية الباكستانية لا يعمل منها سوى غواصتين فقط، مع وجود مشكلات في قطع الغيار ونقص في الوقود..
وفي الوقت نفسه، عندما يتقاعد كبار الضباط، فهم في الحقيقة لا يتقاعدون.. إنهم فقط ينتقلون إلى مقاعد تنفيذية في شركات الجيش، أي في المنظومة نفسها، ولكن بزي أنيق بدلاً من الزي العسكري..
وإذا نظرنا داخلياً، فسنجد أن قوات الأمن تدفع الثمن كل شهر، إذ يُقتل ما بين 55 و60 عنصراً في مواجهات مع الجماعات المسلحة، ونحو نصف هذا الرقم تقريباً من الجيش النظامي نفسه..
وفي بلوشستان، ذلك الإقليم الفقير الغني بالموارد، يتصاعد التمرد لأنّ السكان هناك ببساطة يرون أن الثروة تُستخرج من أرضهم، لكن لا يعود إليهم منها سوى الفقر..
وقد أصبح هذا الموضوع دولياً.. ففي فبراير 2025، وجّهت مؤسسة التمويل الدولية (IFC) التابعة للبنك الدولي، ومعها مؤسسات تنموية أخرى، انتقادات مباشرة إلى باكستان بسبب إعادة التفاوض القسرية على عقود الطاقة تحت إشراف الجيش.. حيث قال مستثمرون إن تلك المفاوضات جرت داخل منشآت عسكرية، وترافقت مع ضغوط واضحة لإجبارهم على قبول شروط جديدة..
عندما نتحدث عن باكستان اليوم، فنحن أمام خلل هيكلي عميق جداً.. ملايين الباكستانيين يواجهون التضخم والفقر، وفي الوقت ذاته تنمو بجانبهم إمبراطورية تجارية عسكرية تبلغ قيمتها عشرات المليارات، محمية بامتيازات لا تُحصى ولا تُعد، ومحصنة تماماً من رقابة السوق والقانون..
والأخطر في هذه المرحلة الجديدة، أنّ الجيش لم يعد فقط يمتلك اقتصاداً موازياً، بل أصبح جزءاً من إدارة الاقتصاد الكلي نفسه عبر منصات مثل SIFC، وأضحى يوجّه تهديدات مباشرة للمستثمرين الأجانب..
باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع