info@archon-defense.com
آركون

عندما تتحول القدرة الصناعية إلى سلاح: هل تستطيع ألمانيا إعادة اختراع نفسها؟

11 يناير 2026
404 المشاهدات
12 دقيقة/دقائق للقراءة

قبل أن أسافر إلى ألمانيا، كان لي صديق وزميل في العمل قد سبقني بالسفر إليها. كان تركيًّا يعمل هناك، فسألته يومًا: أَلَا ترى أن ألمانيا، وفقًا لكل المؤشرات، تتراجع بدلًا من أن تتقدم؟
فأجابني بجملة واحدة: "الألمان سيعرفون كيف يحلون مشكلاتهم. لقد مرّوا بأزمات أكبر وتجاوزوها. إنهم ألمان، ثم إن ساءت الأمور سأعود إلى تركيا ببساطة."

منذ أن سمعت تلك الجملة، وأنا أتابع كل ما يتصل بالصناعات الدفاعية والصناعة عمومًا في ألمانيا، وفي ذهني سؤال واحد: هل سيفعلها الألمان؟ هل سيتمكنون فعلًا من حلّ مشكلاتهم؟

في السابع والعشرين من فبراير عام 2022، ألقى المستشار الألماني آنذاك، أولاف شولتس، خطابًا شهيرًا أمام البوندستاغ، أعلن فيه عن نقطة تحوّل تاريخية. وسُمّيت كذلك لأنها لم تكن مجرد تعديل تكتيكي أو مراجعة هامشية للسياسة الأمنية الألمانية، بل كانت تحولًا جذريًّا في طبيعة الاقتصاد الألماني ذاته.

ولكي تدرك مدى جدية الموقف آنذاك، أشار عدد من المحللين إلى أن مخزون الذخيرة لدى الجيش الألماني في ذلك الوقت لم يكن ليكفي أكثر من يوم أو يومين في قتال مرتفع الكثافة، بينما معيار حلف الناتو ينصّ على وجوب توفر مخزونٍ يغطي نحو ثلاثين يومًا من العمليات.

تأمل جيدًا — نحن نتحدث عن ألمانيا، التي أيقظت العالم من المغرب سابقًا، والتي تمتلك قاعدة صناعية هائلة، وتُعدّ الدولة الأقوى في الاتحاد الأوروبي.

ذلك التحوّل لم يكن مجرد زيادةٍ في ميزانية الدفاع أو توقيع عقودٍ لشراء أسلحة جديدة، بل كان إعادة توجيه كاملة للقاعدة الصناعية المدنية.
تحوّلت المصانع التي كانت تنتج السيارات والقطارات والمعدات الثقيلة إلى مصانعٍ تصنع الأسلحة والذخيرة.

وهنا يبرز السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه: كيف استطاعت ألمانيا تحويل مصانعها المدنية إلى منشآتٍ عسكرية في أي وقتٍ حرج؟

في الرابع والعشرين من فبراير عام 2022، عبرت الجيوش الروسية الحدود الأوكرانية.
قبل ذلك اليوم، كانت ألمانيا ترى نفسها دولة سلامٍ ديمقراطي، تستثمر في الطاقة المتجددة وتهتمّ بالبيئة، في حين كانت ميزانية الدفاع لديها ضعيفة نسبيًّا.

لكن بعد ذلك بثلاثة أيام، وفي خطاب المستشار أولاف شولتس، أُعلن عن إنشاء صندوقٍ خاص تحت اسم تحيا ألمانيا (وهي تسمية ساخرة في الأصل)، بقيمة مئة مليار يورو لتحديث الجيش الألماني، إلى جانب التزامٍ بإنفاق أكثر من 2٪ من الناتج المحلي الإجمالي سنويًّا على الدفاع.

ومع ذلك، كانت هناك مشكلات بنيوية متجذّرة في النظام الألماني. فثمة قانون أساسي صدر عام 1961 يُعرف باسم قانون مراقبة الأسلحة (KrWaffKontrG)، وهو ليس مجرد تشريعٍ إداري عادي، بل أداةٌ دستورية مستمدّة من المادة السادسة والعشرين في الدستور الألماني.
(لا تقلق، لن أرهقك بالتفاصيل القانونية أو أرقام المواد الدستورية).

الفكرة الجوهرية أن هذا القانون وُضع في ضوء تجربة الحرب العالمية الثانية، أي أنه صُمّم حرفيًّا لتقييد ألمانيا ومنعها من الانخراط مجددًا في سباق التسلّح.

لقد وضع هذا القانون نظامًا صارمًا يقوم على سلسلةٍ شديدة التعقيد من التراخيص والموافقات، بحيث إن أي شركةٍ ترغب في إنتاج أسلحةٍ حربية، يجب أن تحصل أولًا على تصريحٍ من وزارة الاقتصاد والطاقة (BMWK)، ثم تخضع لرقابة وتفتيش دقيق من قبل المكتب الاتحادي للاقتصاد ومراقبة الصادرات (BAFA).

وقد طوّرت ألمانيا بعد ذلك نظامًا يعتمد على استخدام المعايير المدنية قدر الإمكان، ثم الانتقال إلى المعايير العسكرية فقط عندما تختلف المتطلبات العسكرية اختلافًا جوهريًا عن المعايير المدنية.
يُعرف هذا النظام باسم DEMAR، وهو مستمد من نظامٍ أوروبي يُدعى EMAR.

الفكرة أنهم أنشأوا جسرًا رسميًا يبدأ بالاعتماد على معايير DIN/EN/ISO قدر الإمكان، وهي معايير مدنية في الأساس، وإن اقتضت الحاجة وضع معيار عسكري خاص، يتم اعتماده مؤقتًا، ثم تُعاد تلك المتطلبات لاحقًا إلى داخل نطاق المعايير العامة.
ومعنى ذلك أن المصنع المدني الملتزم بمعايير ISO أصبح ضمن القاعدة الصناعية العسكرية، في حين تعمل معايير مثل AQAP كختم جودة تابعٍ لحلف الناتو.

وهذا يعني أن ألمانيا بدأت تغيّر أدواتها الإدارية ذاتها. فمنذ عام 2023، بدأ مكتب الرقابة على الصادرات (BAFA) باستخدام نظام الترخيص العام، بدلًا من الأسلوب القديم الذي كان يقتضي فتح ملف مستقل لكل شحنة أو مكوّن.
قد تبدو هذه الخطوة صغيرة على الورق، لكنها في الواقع شديدة الأهمية، لأنها تعني أن الدولة أصبحت تدرك أن البيروقراطية التي صُمّمت لزمن السلم لا يمكن أن تبقى كما هي في زمن التعبئة الصناعية. فذلك من شأنه أن يجعل أي مصنع، حتى وإن كان جاهزًا للإنتاج، ينتظر طويلًا من أجل توقيع أو ترخيص إداري.

والآن، دعنا ننتقل إلى أمثلة عملية حتى لا تضيع الفكرة بين فقرات القوانين.

في عام 2025 ظهرت معلومات عن مباحثات بين شركة فولكسفاغن وشركة Rheinmetall – وهي إحدى أهم شركات الصناعات الدفاعية في ألمانيا – بشأن مصنع أوزنابروك الذي كان يُستخدم لتجميع السيارات المدنية، وإمكانية استخدامه في أنشطة ذات طبيعة دفاعية.
وقد صرّح رئيس شركة Rheinmetall بأنّه قبل بناء أي مصنع جديد من الصفر، من الطبيعي النظر أولًا في المصانع القائمة، فذلك أوفر وأسرع.
وليس الحديث هنا عن مصنعٍ هامشي، بل عن العمود الفقري للاقتصاد الألماني نفسه، أي صناعة السيارات، التي أصبحت موضوع سؤالٍ جوهري:
هل تستطيع أن تخدم الأمن القومي في وقت الضرورة؟

مثالٌ آخر هو مصنع Unterlüß للذخيرة. ففي فبراير 2024 بدأ بناؤه على يد شركة Rheinmetall، وبحلول عام 2025 كان المصنع يعمل بالفعل.
بلغت تكلفة إنشائه نحو 500 مليون يورو، وقد أُقيمت المنشأة بالكامل خلال خمسة عشر شهرًا فقط.

يُنتج المصنع قذائف مدفعية عيار 155 ملم، وهي – إن صحّ القول – كارثة أوكرانيا، إذ تُعدّ الذخيرة الأساسية المستخدمة في الجيش الألماني والجيوش الأوروبية والقوات الأوكرانية على حدٍّ سواء.
تتمثل خطة المصنع الإنتاجية في إنتاج 25 ألف قذيفة عام 2025، و140 ألف قذيفة في عام 2026،, ومن عام 2027 فصاعدًا سيُنتج 350 ألف قذيفة سنويًا.

أما العقد الذي منح المصنع قبلة الحياة، فقد وُقّع في يونيو 2024 بقيمة 8.5 مليارات يورو، وهو أكبر عقد في تاريخ شركة Rheinmetall.
وقد أبرمت الحكومة الألمانية، ممثَّلة بالمكتب الاتحادي لمعدات الجيش والتكنولوجيا، هذا العقد ليس فقط لتلبية احتياجات الجيش الألماني، بل أيضًا لدعم كلٍّ من هولندا، وإستونيا، والدنمارك، وأوكرانيا.

أما الحالة الثانية، الأكثر أهميةً واختلافًا، فهي مصنع غورليتس (Görlitz)، وهو مصنع قائم منذ 175 عامًا ومتخصّص في صناعة عربات القطارات.
وفي فبراير 2025 أعلنت شركتا Alstom وKNDS Deutschland عن صفقة تاريخية، تتمثل في شراء شركة KNDS للمصنع من Alstom.
قد تقول في نفسك: “إنها صفقة استحواذ عادية”، لكنني أقول لك: لا، ليست عادية أبدًا.

فالصفقة تنصّ على تحويل المصنع من إنتاج عربات القطارات إلى إنتاج المركبات العسكرية، مع الاحتفاظ بـ 400 موظف من أصل 700 كانوا يعملون فيه.
وهذا يعني تحويل القدرة الصناعية المدنية إلى قدرة تصنيع عسكرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وسيُنتج المصنع مكوّناتٍ لدبابات Leopard 2 وأجزاء من المدرعة PUMA، بالإضافة إلى وحدات مختلفة من المدرعة Boxer.

وهذا التحول بالذات مهمٌّ للغاية لسببين:
أولًا، لأنني حين أقول إن “القدرة الصناعية المدنية هي في الأصل قدرةٌ عسكرية”، فإن هذا المثال يُعدّ أكبر دليل على صحة هذه المقولة.
وثانيًا، لأن من كان يبرم في الماضي عقود لشراء القطارات والحافلات من الخارج بدعوى أن “الأمر لا يستحق التصنيع المحلي”، قد خسر كثيرًا على المدى البعيد، إذ خسر قدرةً صناعية كان يمكن تحويلها بسهولة إلى قدرةٍ عسكرية وقت الضرورة.

مثال آخر أيضًا في فبراير 2025، حين أعلنت شركة Rheinmetall عن خططٍ لتحويل مصنعين في برلين ونيوس (Neuss) إلى منشآت هجينة.
كانت هذه المصانع في الأصل تُنتج مكوّنات للسيارات، لكنها الآن تُنتج أسلحة وذخيرة مع الاحتفاظ بجزءٍ من الإنتاج المدني.

وماذا يعني ذلك؟
قالوا إنهم سيُنتجون المكوّنات الميكانيكية وأجزاء الحماية الخاصة بالأسلحة في هذه المصانع الهجينة، بينما ستتم معالجة المواد المتفجرة في مواقع متخصّصة، لأنها تحتاج إلى تراخيص مختلفة وإجراءات شديدة الحساسية.

وهذا يعني أنك تتحرّك بذكاء بين سطور القانون. فطالما أن ألمانيا ما زالت مقيّدة بإرث الحرب العالمية الثانية، فسيجري إنتاج الأجزاء العسكرية التي يمكن تصنيعها في مصانع هجينة بشكلٍ مستقل، أما الأجزاء الحساسة فستُنتج في مصانع عسكرية متخصّصة.
وبذلك تزيد الطاقة الإنتاجية الكلية رغم القيود والبيروقراطية المفروضة على الدولة.

إضافةً إلى ذلك، فإن المصانع الهجينة تمتاز بمرونةٍ عالية تسمح بتحويلها بالكامل إلى مصانع عسكرية في أوقات الحروب.
وبهذه الطريقة، تزداد الكفاءة الإنتاجية من خلال الاستفادة من المصانع القائمة دون الحاجة إلى بناء منشآت جديدة.
كما تُستغل الموارد المعطّلة خلال فترات الركود، وتُوزّع التكاليف والمخاطر بين تلبية الحاجات المدنية والعسكرية في الوقت نفسه، مع الاستفادة من القوى العاملة الموجودة أصلًا في تلك المصانع.

تقوم الدولة هنا أيضًا بشراء خطوط الإنتاج، أي أنها تضمن استمرار تشغيل الآلات حتى وإن كان ذلك بمعدل منخفض، حتى لا تضطر إلى البدء من الصفر في أوقات الأزمات.
وهناك فكرة أخرى بالإضافة إلى ذلك، تتمثّل في أن تدفع الدولة مقابل جاهزية خطوط إنتاج احتياطية، تمامًا كما يُدفع مقابل محطات الكهرباء الاحتياطية.
وربما لم يُطبّق هذا النظام بشكلٍ كامل بعد، إلا أن هناك اتجاهًا واضحًا يسير في هذا المسار.

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا أن العنصر الأهم ليس القذيفة نفسها، بل البارود والمواد الدافعة والكيماويات، التي من دونها يتوقف أي مصنع عن العمل.
ولذلك، لم تكتفِ شركة Rheinmetall بتوسيع مصانع إنتاج الذخيرة، بل اشترت شركة Expal الإسبانية، واستثمرت في إنتاج المواد المتفجرة ومساحيق الدفع.

ويعني ذلك أن الدولة والشركات أدركت أن ترك سلسلة الإمداد الأساسية خارج نطاق السيطرة يعني بناء قدرةٍ صناعية على أرضية هشّة.
أما التحوّل الذي يشهده العالم بأسره وتحاول ألمانيا تطبيقه، فهو امتلاك سلسلة الإنتاج كاملةً، من المادة الخام وحتى القذيفة الجاهزة للاستخدام.

وبعد كل ما سبق، يظهر عنصر بالغ الخطورة والأهمية في هذه القصة، وغالبًا ما يمرّ عليه الناس مرور الكرام، وهو: العقود الحكومية طويلة الأجل.

فالواقع يؤكد أنه لا توجد شركة خاصة عاقلة في العالم يمكن أن تُنفق مئات الملايين أو حتى المليارات لبناء قدرة إنتاجية عسكرية دون أن تضمن وجود طلبٍ حقيقيٍّ ومستقرّ.
فالصناعات الدفاعية – بطبيعتها – تحتاج إلى دولةٍ تقف خلفها وتدعمها.

إن عقد شركة Rheinmetall البالغة قيمته 8.5 مليارات يورو ليس مجرد صفقة، بل التزامٌ سياسي واقتصادي طويل الأمد.
فالحكومة الألمانية تقول للشركة بوضوح: سأشتري منك لسنواتٍ مقبلة، بكمياتٍ محددة، وبأسعارٍ متفقٍ عليها، وفق خطة إنتاج واضحة.

هذا العقد يعني أن شركة Rheinmetall تستطيع بناء مصانع جديدة، وتعيين العمال، والدخول في استثمارات طويلة الأمد، من غير أن تعيش في خوفٍ من اختفاء الطلب بشكلٍ مفاجئ، كما حدث لشركات جنوب أفريقيا في تسعينيات القرن الماضي.

فالقدرة الصناعية لا تُبنى على الطلبات الطارئة، وإنما تقوم على التخطيط طويل الأجل.
ومن دون مثل هذه العقود، لكان كل ما تحدّثنا عنه آنفًا مجرّد كلامٍ نظري على الورق دون تطبيق فعلي.

وفي ديسمبر 2024، اعتمدت الحكومة الألمانية وثيقةً بالغة الأهمية تُعرف باسم "الاستراتيجية الوطنية للأمن والصناعة الدفاعية" (National Security and Defence Industry Strategy).
تُعدّ هذه الوثيقة خريطة طريقٍ واضحة، أعلنت فيها الدولة الألمانية أن ألمانيا وأوروبا بأكملها أصبحتا مضطرتين لتحمّل مسؤولية أمنهما بأنفسهما، وأنه لا مجال بعد الآن للترف أو للتأجيل أو للاعتماد على الآخرين.

وضعت هذه الوثيقة إطارًا واضحًا لتحويل القاعدة الصناعية الألمانية؛ إذ ركّزت على تحديد التقنيات الأساسية التي يجب أن تبقى داخل ألمانيا وأوروبا، وربطت القطاع المدني بالعسكري بشكلٍ رسمي ومباشر.
كما تعهدت بتقليل البيروقراطية التي خنقت الصناعة لسنواتٍ طويلة، وجعلت تأمين سلاسل الإمداد أولويةً للأمن القومي بعد أن كانت تُعامل سابقًا كمسألةٍ تجارية بحتة.

لكن، هل يعني كلُّ ذلك أن ألمانيا تجاوزت عنق الزجاجة؟
الإجابة: لا.
غير أنه يمكن القول إنها تحاول النهوض وتعمل على تغيير نفسها بعد فترةٍ طويلة من الركود؛ أشبه بشخصٍ انفصل عن علاقة سامة، وبدأ يمارس الرياضة، ويقرأ، ويُصلح نظامه الغذائي، إلا أنه ما زال يحتاج إلى الوقت كي يتخلّص تمامًا من آثار تلك العلاقة السابقة.

بدأت ألمانيا في عام 2022 بخطة تمويلية تمثلت في صندوق المئة مليار يورو الذي تحدثنا عنه سابقًا، وكان ذلك بمثابة المدخل الأساسي.
تبع ذلك مباشرةً حديثٌ عن صندوقٍ إضافي من المتوقع إطلاقه في عام 2025 بقيمةٍ قد تصل إلى خمسمئة مليار يورو.
أما في عام 2029، فالموازنة السنوية المتوقعة لقطاع الدفاع قد تبلغ 160 مليار يورو سنويًا، أي ما يعادل نحو 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه الزيادة ليست أمرًا عاديًا، بل تمثل إعادة تعريفٍ لدور الدولة الألمانية نفسها.

ولكن — كما قلنا سابقًا — ما زالت ألمانيا تحت تأثير بقايا العلاقة السامّة مع “الشريك السابق”، إن صحّ التعبير.

كنتُ قد تحدثتُ في مقالٍ سابق بعنوان "اقتصاديات الجاهزية العسكرية" عن تقارير صدرت في فبراير 2025، كشفت أن الجاهزية العسكرية الألمانية لا تتجاوز 50٪، أي أن نصف الجيش تقريبًا غير جاهز للقتال.
وما هو أشدّ خطورة أن هذه النسبة أقل مما كانت عليه قبل غزو أوكرانيا، فضلًا عن نقصٍ في عدد الأفراد بنحو 20 ألف جندي، وعجزٍ حاد في مخزون الذخيرة رغم كل الاستثمارات التي ذكرناها، وغيرها مما لم نتحدث عنه بعد.

وهذا يقودنا إلى فكرةٍ أخطر، وهي الفجوة الزمنية.

فقد أصدر معهد كيل للاقتصاد العالمي تقريرًا متشائمًا للغاية، أشار فيه إلى أنه لكي تتمكن ألمانيا من العودة إلى مستويات الدبابات التي كانت تمتلكها عام 2004، فإنها تحتاج إلى ما يقارب 40 عامًا.
أما بالنسبة إلى الطائرات القتالية، فهي بحاجة إلى 10 سنوات، في حين أن المدفعية قد تحتاج إلى 100 عامٍ كامل — نعم، مئة عام حرفيًا كما ورد في التقرير.

قد تُنفق المليارات، وتبني المصانع، وتُوقّع العقود، ومع ذلك تبقى عاجزًا لفترةٍ طويلة؛ لأن الصناعات الدفاعية ليست زرًّا تضغط عليه لتبدأ غدًا في تصنيع الطائرات المسيّرة وعرضها في معرض “إيديكس”، معلنًا أنك انضممت إلى “نادي الكبار”.

وفوق كل ذلك، هناك أزمة بشرية حقيقية.
فشركة Rheinmetall – وحدها – تخطط لتعيين نحو تسعة آلاف موظفٍ جديد بحلول عام 2028، لكن السؤال هو: من أين ستأتي بهم؟
تشير التقارير إلى وجود عجزٍ يتراوح بين 35 ألفًا و45 ألف متخصص في مجالات الصيانة والإصلاح الدفاعي فقط؛ وليس في مجال تطوير الصواريخ أو هندستها، بل في الصيانة البحتة لا غير.

وطبعًا، كل ذلك يضاف إلى المصيبة الكبرى: المواد الخام الحرجة.
ففي أكتوبر 2025، أعلنت الصين عن قيودٍ على تصدير المغناطيسات الدائمة، وهو ما أدخل ألمانيا في أزمةٍ حقيقية، إذ إن 92٪ من المغناطيسات التي تستخدمها تأتي من آسيا، ولا توجد منشأةٌ محلية واحدة لفصل أو تكرير العناصر الأرضية النادرة، مما يعني اعتمادًا شبه كامل على الصين.

وهذه المغناطيسات ليست مسألةً ثانوية، بل هي أساس المحركات في الطائرات المسيّرة، وأنظمة التوجيه، والرادارات.
أي أن انقطاع سلسلة الإمداد يعني أن خط الإنتاج بأكمله سيتوقف في اليوم التالي مباشرةً.

ولذلك، فإن السؤال الجوهري: هل ألمانيا جاهزةٌ فعلًا؟
الإجابة الصادقة: لا.
ليست جاهزة الآن، وربما لن تكون جاهزةً لسنواتٍ قادمة.

ما يحدث الآن هو بناء الأساس، لكنه متأخر جدًا.
فمعظم هذه القدرات لن تبلغ طاقتها الكاملة قبل عام 2027 أو 2028.
ومعدل جاهزية يبلغ 50٪ يعني أن نصف القوات غير مجهزة تجهيزًا كاملًا.
وثغرات الدفاع الجوي قصير المدى تعني أن الجيش مكشوف.
ثم هناك الاعتماد على آسيا، ونقصٌ في اليد العاملة، وفجوةٌ زمنية طويلة، فضلًا عن عدم استقرارٍ سياسي قد يُغيّر الأولويات في أي انتخابات مقبلة.

لكن في المقابل، هناك أمر واحد مختلف يحدث الآن، وهو وجود التزامٍ سياسي حقيقي.
الاتجاه بات واضحًا: ألمانيا تحاول بناء ما يُعرف بالقاعدة الصناعية التعبوية.
وهذه ليست مصانع حربٍ تقليدية، بل نظامٌ صناعيٌّ متكامل يمكنه، في أوقات الأزمات، أن يتحوّل بسرعة إلى إنتاجٍ عسكري.

ويعني ذلك أن للدولة الحقّ في إعلان أولوية طلبات الدفاع، وتوجيه جزءٍ من الطاقة الإنتاجية نحو الاحتياجات العسكرية.
أي أن الدولة لن تقف متوسّلةً أمام الشركات، أو في انتظار الموافقات الطويلة، بل ستبدأ التنفيذ المباشر عند الحاجة.

هل ستنجح؟
لا أحد يعرف الإجابة بعد.

لكن المؤكّد أن ألمانيا القادمة ليست هي ألمانيا التي عرفناها خلال الثلاثين عامًا الماضية.


مؤمن أشرف

باحث دكتوراه في سياسات تعاقدات وتعاون الدفاع