تتكون الاستراتيجية الإيرانية في هذه الحرب من مرحلتين متمايزتين. في الأولى، جاء الإطلاق كثيفًا وسريعًا، بما يكفي لإدخال الإقليم والعالم في نقطة ضغط حادة منذ الساعات الأولى، بحيث لا تبقى إيران وحدها داخل النار. وفي الثانية، تحوّل الإيقاع إلى ضربات أبطأ وأكثر حسابًا، بعد أن صارت أطراف متعددة جزءًا من الأزمة. هذا النمط ينسجم مع الفكرة الكلاوزفيتزية أن الحرب أداة سياسية تخدم أهدافًا خارجها، وهو ما وصفته رويترز يوم 10 مارس 2026 حين رأت أن إيران "تراهن على الصمود" عبر إطلاق الصواريخ والمسيّرات وتعطيل الطاقة وصدم الأسواق.
وصف توماس شيلينغ القدرة على الإيلام بوصفها نوعًا من قوة المساومة، تعمل بمعزل عن حجم الدمار المادي المباشر. ومن هنا يمكن فهم ما جرى في الأيام الأولى لا كإفراط ناري فحسب، بل كاستخدام منظم للألم بوصفه أداة ضغط. النفط، والشحن، والتأمين، والأسواق، ثم السياسة الداخلية الغربية، كلها باتت أجزاءً فاعلة من ساحة القتال.
في 4 مارس 2026، أعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية دان كين أن إيران أطلقت أكثر من 500 صاروخ باليستي وأكثر من 2000 مسيّرة. وحسب رويترز، فإن الدول الخليجية المستهدفة — الإمارات وقطر والبحرين والكويت — رصدت حتى 9 مارس 605 صواريخ باليستية و1,987 مسيّرة، من دون احتساب السعودية وعُمان. هذا الحجم يكشف عن منطق محدد: توزيع الحمل على منظومات الاعتراض، وتوسيع الجبهة الجغرافية، وتفريق الانتباه والذخائر في وقت واحد.
الضربة امتدت فورًا إلى الخليج والقواعد الأميركية والبنية النفطية والملاحة والمرافق المدنية. حين تُحشر الإمارات وقطر والبحرين والكويت في معادلة الرصد والاعتراض والضرر، تتحول الحرب من مواجهة ثنائية إلى أزمة إقليمية ذات امتدادات عالمية.
مضيق هرمز كان قطعة مركزية في هذا البناء. بحسب وكالة الطاقة الدولية، مرّ عبره في 2025 ما يقارب 20 مليون برميل يوميًا، أي نحو 25% من تجارة النفط البحرية العالمية. والطاقة البديلة للالتفاف عليه تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل فقط. هذا الفارق يعني أن تحريك هرمز إلى دائرة المعركة يمس مباشرة تدفق الطاقة العالمي.
في 2 مارس، رصدت رويترز توقفًا شبه تام للملاحة: 150 سفينة عالقة أو راسية، ناقلة مشتعلة، أربع سفن متضررة. وفي 10 مارس، نقلت الوكالة أن البحرية الأميركية رفضت طلبات مرافقة شبه يومية من قطاع الشحن، وأن حركة العبور "توقفت تقريبًا" منذ بدء الحرب. وفي اليوم نفسه، وصف أمين الناصر الأزمة بأنها "الأكبر" التي واجهها قطاع النفط والغاز في المنطقة.
سعر برنت وصل إلى قرابة 120 دولارًا في الجلسة التي سبقت 10 مارس، ثم هبط أكثر من 11% في جلسة واحدة حين لمح ترامب إلى احتمال التهدئة. هذا التذبذب يكشف أن توقيت الحرب وامتدادها صارا أداة ضغط مستقلة بذاتها.
ثانياً: الرواية الغربية عن "تدمير المنصات" وما تغفله
في 4 مارس، أفاد دان كين بأن إطلاقات الصواريخ الباليستية انخفضت 86% عن اليوم الأول، وإطلاقات المسيّرات الانتحارية 73%، وعزا ذلك إلى تقدم الضربات الأميركية-الإسرائيلية في الداخل الإيراني. هذه هي السردية الغربية الرسمية: الانخفاض جاء نتيجة تدمير المنصات.
هذه السردية تصف جزءًا من الصورة. الضرر الواقع على البنية الإيرانية أمر مرجح، والانخفاض في الوتيرة أمر موثق. غير أن الربط السببي المباشر بين الاثنين يتجاهل توقيتًا مهمًا: قبل أي حديث عن "الانخفاض"، كانت المنطقة قد دخلت بالفعل في النقطة الحرجة التي يصفها الإغراق الأولي.
الفرضية المضادة تستحق طرحًا جادًا: ماذا لو كان التراجع في الوتيرة مفروضًا في معظمه وليس قرارًا؟ هذا احتمال لا يُستبعد، لكنه لا يفسر وحده توقيت التحول ولا معناه السياسي. فالإقليم كان قد دخل عنق الزجاجة فعلًا، والكلفة توزعت على أطراف متعددة، والمرحلة الأولى كانت قد أنجزت وظيفتها الأساسية. لذلك يبقى السؤال الحقيقي ليس: هل وقع تراجع؟ بل: كيف نقرأ معناه داخل الاستراتيجية العامة؟
وحسب تحليل رويترز في 10 مارس، فإن إيران تراهن على مسابقة تحمّل، مع إشارة إلى أن الحرس الثوري "ممسك بالسيطرة" ويدير "خططًا معدة سلفًا". بعد بلوغ العتبة الحرجة، تتبدل وظيفة النار من خلق الصدمة إلى إدارة الأزمة، وهذا الانتقال يستقيم مع انخفاض الوتيرة أيًا كان سببه.
ثالثاً: منطق فابي في نسخة حديثة
الاستراتيجية الفابية تقوم على تجنب المعركة الحاسمة والرهان على الزمن والاستنزاف. فابيوس واجه حنبعل بالتحرش والإرهاق وانتظر حتى تستعيد روما توازنها. القياس هنا بنيوي: حين يقرر الطرف الأضعف أن الحسم السريع يضره، يحوّل المعركة إلى اختبار قدرة على الاحتمال.
في هذا الإطار، تعمل الصواريخ والمسيّرات أداةً لفرض الكلفة بقدر ما تعمل أداةً للتدمير. كلفة صاروخ PAC-3 نحو 4 ملايين دولار، بينما تكلف المسيّرة الاعتراضية بضعة آلاف. لوكهيد مارتن تنتج نحو 600 صاروخ PAC-3 سنويًا. هذه الأرقام تكشف فجوة واضحة بين كلفة التهديد وكلفة الاعتراض، وهي الفجوة التي تجعل الاستنزاف المطوّل أداة ضغط فعالة.
المرحلة الثانية تُبنى على هذا المنطق: موجات أصغر، متكررة، أرخص، موزعة على جغرافيا أوسع. الأثر التراكمي لهذه الموجات يُقاس في مجموعها: الرادارات تبقى مفتوحة، المخازن تستنزف، الممرات البحرية تعيش في حالة قلق مستمر، السوق تبقى حساسة، والقرار السياسي يتراكم عليه الضغط يومًا بعد يوم.
رابعاً: أشباه سابقة وأبعاد جديدة
حرب الناقلات في الثمانينيات قدّمت سابقة من النوع ذاته. منذ 1984، استهدف الطرفان ناقلات النفط في الخليج، واضطرت الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى نشر سفن حربية لضمان تدفق النفط. اليوم الأدوات أوسع وأسرع، والانتقال من البحر إلى الجو والسوق يحدث في وقت واحد، لكن المنطق الأساسي، أي نقل الحرب من الجبهة إلى الممرّ، ما يزال حاضرًا.
واشنطن لا تنظر إلى الحرب من زاوية واحدة؛ فالحساب العسكري شيء، وأثر الأسعار على المزاج الانتخابي شيء آخر. وكلما طال أمد الضغط، صار على صانع القرار أن يوازن بين منطق الردع في تقارير البنتاغون ومنطق الكلفة اليومية كما تظهر في الأسواق ومحطات الوقود.
أسعار البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت بنحو 60 سنتًا للجالون منذ اندلاع الحرب، والمتوسط الوطني بلغ 3.54 دولارًا بزيادة 19%. وحسب رويترز، فإن هذا الارتفاع بات يشكّل صداعًا سياسيًا حقيقيًا لترامب والجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي. هذا الرقم يتحرك على طاولة البيت الأبيض بشكل مختلف تمامًا عن تقارير البنتاغون.
خاتمة
الاستراتيجية الإيرانية، كما تبدو من نمط السلوك، تضمنت مرحلتين: إغراق افتتاحي أدخل المنطقة والعالم في نقطة ضغط حادة، ثم تقطير مستمر يمدّ زمن الأزمة. سؤال نسبة المقصود إلى المفروض في هذا التسلسل يبقى مفتوحًا، والإجابة الأمينة هي أن يقينًا كاملًا غير متاح. الرواية الغربية تصف بعض ما جرى، والرواية التي تقدّم كل شيء كخطة محكمة تصف بعضًا آخر، والحقيقة تجمع أجزاءً من الاثنتين.
لكن ما يمكن رصده بثقة هو أن الأيام الأولى نجحت في كسر الطابع الثنائي للحرب. بعد ذلك، صار الآخرون — أسواق النفط، شركات الشحن، حكومات الخليج، ناخبو المدن الأميركية — جزءًا فاعلًا في معادلة الضغط. وإدارة هذه المعادلة تستلزم إبقاء الأطراف الأخرى في حالة استنفار واستنزاف. وهذا هو معنى "لعبة العض على الأصابع": الغلبة فيها ليست لمن يطلق أكثر في البداية، بل لمن ينجح في إطالة زمن التعب على الطرف الآخر.